ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260927 WA0000

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يجبها النظام.

 

ولأول مرة منذ قرون طويلة…

 

لم تكن أوريال تعرف الإجابة.

 

ظلت ليارا واقفة أمام الشاشة، وعيناها تتحركان بين الأرقام والبيانات المتتابعة.

 

كانت تعرف أن أنظمة المدينة لا تخطئ بهذه الطريقة.

 

الخطأ في منظومة عادية قد يكون عابرًا.

 

أما في أوريال، فالخطأ نفسه كان حدثًا يحتاج إلى تفسير.

 

مدت ليارا يدها نحو لوحة التحكم، ثم أغلقت جميع النوافذ المحيطة بالبيانات، وأبقت القراءة الوحيدة أمامها.

 

كانت هناك كمية من الطاقة دخلت إلى الشبكة.

 

لكنها لم تأتِ من أي مصدر معروف.

 

لم تأتِ من منظومة قلب النور.

 

لم تأتِ من المجالات المحيطة بالمدينة.

 

ولم تأتِ من وحدات التخزين.

 

كانت موجودة فقط.

 

ظهرت داخل الشبكة دون أن تمر عبر أي قناة.

 

قالت ليارا بصوت منخفض:

 

— «هذا مستحيل.»

 

ثم رفعت صوتها:

 

— «أريد سجل الطاقة الكامل للساعة الأخيرة.»

 

جاءها صوت النظام:

 

— «السجل متاح.»

 

قالت ليارا:

 

— «اعرضه.»

 

امتلأت الشاشة بآلاف البيانات.

 

مرت عيناها بسرعة فوق الأرقام.

 

كل شيء طبيعي.

 

الاستهلاك طبيعي.

 

الإنتاج طبيعي.

 

التوزيع طبيعي.

 

ثم ظهرت القراءة الغريبة مرة أخرى.

 

ثانية واحدة فقط.

 

ثم اختفت.

 

اقتربت ليارا من الشاشة.

 

قالت:

 

— «أظهر المصدر.»

 

أجاب النظام:

 

— «لا يوجد مصدر مسجل.»

 

سألت:

 

— «إذن كيف دخلت الطاقة؟»

 

صمت النظام لثانيتين.

 

ثم قال:

 

— «لا أستطيع تحديد ذلك.»

 

تجمدت ليارا.

 

لم يكن هذا الرد موجودًا في قاموس النظام.

 

كان النظام يستطيع أن يقول: غير معروف.

 

كان يستطيع أن يقول: تعذر التحليل.

 

أما «لا أستطيع تحديد ذلك»…

 

فكانت جملة نادرة إلى درجة أن ليارا لم تسمعها طوال سنوات عملها.

 

أغلقت الشاشة.

 

ثم فتحت ملفًا جديدًا.

 

كتبت:

 

بلاغ خلل من المستوى الثالث.

 

توقفت.

 

ثم مسحت الكلمة الأخيرة.

 

وأعادت الكتابة:

 

بلاغ خلل من المستوى الأول.

 

ترددت مرة أخرى.

 

ثم حذفت البلاغ بالكامل.

 

قالت لنفسها:

 

— «ليس بعد.»

 

لم تكن تريد أن تصل هذه المعلومة إلى الإدارة قبل أن تفهمها.

 

كانت ليارا تعرف شيئًا مهمًا عن أوريال:

 

كل شيء فيها يخضع للمراقبة.

 

حتى المعلومات.

 

وإذا أرسلت البلاغ، فلن يصل إلى مديرها فقط.

 

سيصل إلى المجلس المركزي.

 

وعندما يصل الأمر إلى المجلس…

 

لن يصبح مجرد خلل تقني.

 

سيصبح قضية.

 

وفي ذلك الصباح، كانت ليارا لا تزال تملك فرصة لمعرفة الحقيقة وحدها.

 

أما في أحد الأحياء العليا، فقد كان إيلان يعيش يومًا لا علاقة له بالطاقة ولا بمراكز التحكم.

 

كان يجلس في مقهى معلّق فوق السحاب مع ثلاثة من أصدقائه.

 

كان المكان عبارة عن منصة دائرية محاطة بجدار شفاف تمامًا، وتحتها امتد بحر السحاب الأبيض.

 

جلس كايان أمامه، بينما كانت سيرا إلى جواره، وجلست نورا في الطرف الآخر وهي تراجع شيئًا على شريحة ضوئية صغيرة.

 

قال كايان:

 

— «أنت متأخر عشر دقائق.»

 

رفع إيلان عينيه عن الوجبة أمامه وقال:

 

— «ثماني دقائق.»

 

ردت نورا دون أن تنظر إليه:

 

— «تسع دقائق وثلاث عشرة ثانية.»

 

ابتسم إيلان وقال:

 

— «أنتم تحتاجون إلى حياة.»

 

رفعت سيرا عينيها عن الشاشة وقالت:

 

— «نحن لدينا حياة، لكننا لا نضيّعها في النوم.»

 

ضحك كايان وقال:

 

— «اتركيه يا سيرا، إيلان يرى أن النوم إنجاز.»

 

نظر إيلان إلى الطبق أمامه.

 

لم يكن طعامًا بالشكل التقليدي.

 

كانت هناك شرائح غذائية شفافة، يتغير لونها حسب الحرارة، إلى جانب مادة سائلة زرقاء ذات مذاق يختاره الشخص من خلال نظام المطعم.

 

قال إيلان:

 

— «على الأقل أنا آكل طعامًا حقيقيًا.»

 

نظر كايان إلى وجبته وقال:

 

— «هذا الطعام يحتوي على كل العناصر التي يحتاجها جسدك.»

 

أجاب إيلان:

 

— «ولهذا طعمه ممل.»

 

قالت نورا:

 

— «أنت دائمًا تشتكي.»

 

ابتسم إيلان وقال:

 

— «لأن كل شيء هنا مثالي أكثر من اللازم.»

 

سكتت سيرا للحظة.

 

ثم قالت:

 

— «وماذا تريد؟»

 

نظر إليها إيلان.

 

— «شيئًا غير متوقع.»

 

قالت سيرا:

 

— «ولماذا؟»

 

أجاب إيلان:

 

— «لأنني أريد أن أعرف إن كان هناك شيء يستطيع أن يفاجئنا.»

 

ضحك كايان.

 

— «في أوريال؟ مستحيل.»

 

لم يرد إيلان.

 

نظر إلى المدينة من خلف الجدار الشفاف.

 

كانت أوريال تمتد أمامه بكل عظمتها.

 

أبراج زرقاء.

 

جسور معلقة.

 

حدائق مرتفعة.

 

مركبات تتحرك في مسارات لا تُرى.

 

وملايين الأشخاص يعيشون داخل هذا النظام الهائل.

 

قالت نورا:

 

— «هل تعرف ما أكثر شيء يعجبني في أوريال؟»

 

سألها كايان:

 

— «ماذا؟»

 

أجابت:

 

— «أن كل شخص يستطيع أن يعيش بالطريقة التي يريدها.»

 

ابتسمت سيرا وقالت:

 

— «إلى حد معين.»

 

نظرت إليها نورا.

 

— «ماذا تقصدين؟»

 

أجابت سيرا:

 

— «لا شيء.»

 

لكن إيلان لاحظ التغير في صوتها.

 

كان يعرف سيرا جيدًا.

 

وعندما تقول «لا شيء» بهذه الطريقة…

 

فهذا يعني عادةً أن هناك شيئًا.

 

قال إيلان:

 

— «أنتِ تخفين شيئًا.»

 

نظرت إليه سيرا.

 

— «أنا؟»

 

— «نعم.»

 

— «ولماذا أُخفي شيئًا عنك؟»

 

قال كايان:

 

— «لأنك تعرفين أنه لن يتوقف حتى يعرف.»

 

ضحكت نورا.

 

أما سيرا فلم تضحك.

 

قالت:

 

— «ربما لأن بعض الأشياء عندما تعرفها… تصبح غير قادر على نسيانها.»

 

سكت إيلان.

 

للحظة، تغير الجو حول الطاولة.

 

لكن قبل أن يسألها، انطلقت موسيقى خفيفة في المكان.

 

ثم ظهرت أمامهم واجهة احتفالية.

 

مهرجان الضوء الأزرق — الليلة.

 

قال كايان بحماس:

 

— «نسيت! اليوم مهرجان الضوء.»

 

ابتسمت نورا.

 

— «وأنا حجزت لنا مكانًا في الساحة العليا.»

 

قال إيلان:

 

— «هل دعوتِ الجميع؟»

 

أجابت نورا:

 

— «تقريبًا.»

 

قال كايان:

 

— «وماذا يعني تقريبًا؟»

 

ابتسمت نورا وقالت:

 

— «يعني دعوت شخصًا واحدًا إضافيًا.»

 

نظر الثلاثة إليها.

 

قال إيلان:

 

— «من؟»

 

ابتسمت نورا.

 

— «سترونه الليلة.»

 

قال كايان:

 

— «هذه إجابة تثير الشك.»

 

ضحكت نورا.

 

أما سيرا فكانت تنظر إلى شيء آخر.

 

إلى السماء.

 

إلى اللون الأزرق المحيط بالمدينة.

 

لم يعرف أحد لماذا بقيت صامتة.

 

لكنها كانت تتذكر شيئًا رأته قبل ساعات.

 

شيئًا لم تخبرهم به.

 

وفي مكان آخر، داخل مركز الطاقة، كانت ليارا قد عادت إلى الشاشة.

 

هذه المرة لم تكن تبحث عن مصدر الطاقة.

 

كانت تبحث عن لحظة ظهورها الأولى.

 

أعادت النظام إلى آخر ألف ساعة.

 

ثم إلى آخر عشرة آلاف ساعة.

 

ثم إلى السجلات الأقدم.

 

كل شيء كان طبيعيًا.

 

لكن عندما وصلت إلى أرشيف قديم جدًا…

 

توقفت.

 

ظهرت أمامها نتيجة لم تتوقعها.

 

نفس القراءة.

 

لكنها لم تظهر اليوم للمرة الأولى.

 

ظهرت مرة…

 

منذ مئات السنين.

 

ثم مرة أخرى…

 

بعدها بسنوات طويلة.

 

ثم اختفت.

 

ثم ظهرت من جديد.

 

كانت تتكرر على فترات غير منتظمة.

 

وفي كل مرة…

 

لم يكن النظام يعرف مصدرها.

 

وضعت ليارا يدها على فمها.

 

ثم قالت:

 

— «إذن أنت لستِ جديدة.»

 

لم تكن تتحدث إلى أحد.

 

كانت تتحدث إلى الطاقة.

 

ثم فتحت أقدم سجل متاح.

 

ظهر تاريخ قديم.

 

وقبل أن تفتحه بالكامل…

 

انطفأت الشاشة.

 

ظهرت كلمة واحدة فقط:

 

ممنوع.

 

حدقت ليارا فيها.

 

ثم ظهر تحتها سطر ثانٍ:

 

«هذا الملف لا يخص تاريخ أوريال.»

 

رفعت ليارا رأسها ببطء.

 

لأول مرة، لم يكن خوفها من الطاقة.

 

كان خوفها من السؤال الذي بدأ يتشكل في عقلها:

 

إذا كان هذا الملف لا يخص تاريخ أوريال…

 

فأي تاريخ يخصه؟

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *