ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260929 WA0019

 

الكاتب: موسى محمد يوسف

 

 

يومَ رحلَ والده، لم تسقط منه دمعةٌ واحدة.

كان الابن الأكبر، وقف كالجبل في قلب العزاء، يواسي أمَّه المنكسرة، ويستقبل المعزّين، ويسدّد ديون أبيه بصمتٍ وثبات. كان الجميع يربّتون على كتفه ويقولون له إعجابًا: «إنك رجلٌ بحق، صلبٌ لا تنكسر».

 

مرّت الشهور وعادت الحياة إلى روتينها. وفي ليلةٍ شديدة الهدوء، كان يقف بمفرده في المطبخ، يحاول فتح مرطبانٍ زجاجي محكم الإغلاق. استجمع قوّته، وحاول مرةً ومرتين وثلاثًا، لكن الغطاء كان عنيدًا مستعصيًا.

 

وفجأة… انزلق المرطبان من يده، وسقط ليتناثر مئة قطعة على الأرض.

 

وهناك، وسط الزجاج المتناثر، جثا الشاب القوي على ركبتيه، ووضع وجهه بين كفَّيه، وانفجر في نوبة بكاءٍ هستيرية ومروعة…

 

لم يكن يبكي على المرطبان المكسور، بل كان يبكي؛ لأنه أدرك في تلك اللحظة البسيطة أنه فقد السند الذي كان يفكّ له كل العُقَد المستعصية في حياته.

 

كان يبكي؛ لأن ثِقَل «الصلابة» الذي تحمّله طوال الشهور الماضية ليحمي عائلته، كان يضغط على صدره حتى سحق روحه تمامًا.

 

إنَّ الانهيارات المفاجئة بسبب أشياء تبدو تافهة، هي في الحقيقة ثمرة أحزانٍ كتمناها طويلًا لندّعي القوة أمام الآخرين. أكثر الناس صلابةً وقوةً في الظاهر، هم أكثر من يحتاجون إلى مَن يربّت على أكتافهم ويسمح لهم بلحظة ضعف.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *