بقلم الصحفي عبده احمد
حين نتأمل سير الناجحين في كل زمان ومكان، نكتشف أن القاسم المشترك بينهم لم يكن الحظ ولا الثروة الموروثة، بل تلك اللحظة الفاصلة التي واجهوا فيها الصعوبة وجهًا لوجه، فاختاروا أن يجعلوها بداية لا نهاية. فالحياة لا تمنح أحدًا طريقًا معبّدًا بالورود، وكل من ظنّ أن النجاح يُنال بلا عناء وقع في وهمٍ سرعان ما تبدّده أول عقبة.
الصعوبة في جوهرها اختبار صامت لقدراتنا الكامنة. نحن لا نعرف حقيقة معادننا إلا حين تشتد علينا الظروف؛ فالذهب لا يُعرف صفاؤه إلا بالنار، والشجرة لا تضرب جذورها عميقًا إلا إذا هبّت عليها الرياح العاتية. وكذلك الإنسان، تصقله المحن فتكشف له عن طاقات لم يكن يدرك أنه يملكها، وتدفعه إلى التفكير خارج المألوف بحثًا عن مخرج. وكم من اختراع عظيم وُلد من حاجة ملحّة، وكم من مشروع ناجح انطلق من فكرة خطرت لصاحبها في أحلك لحظات الإخفاق!
ولو عدنا إلى صفحات التاريخ لوجدنا شواهد لا تُحصى على هذه الحقيقة. فكم من أديب عانى الفقر والحرمان فجاءت كتاباته صادقة نابضة بالحياة تلامس وجدان القرّاء، وكم من عالم رُفضت أبحاثه مرارًا فلم ييأس حتى غيّر وجه العلم. إن هؤلاء لم يكونوا أقل منا خوفًا أو ضعفًا، لكنهم امتلكوا ما هو أثمن: الإيمان بأن الظلام الدامس هو الذي يسبق الفجر، وأن الطريق الوعر هو الأقصر إلى القمم.
غير أن الفرصة لا تأتي إلى من ينتظرها جالسًا، ولا تعلن عن نفسها بصوت مرتفع. إنها تتخفّى غالبًا في ثوب المشكلة، وتحتاج إلى عين بصيرة تراها وقلب شجاع يمدّ يده إليها. فمن أغلقت في وجهه الأبواب قد يكتشف نافذة لم يكن ينتبه إليها، ومن فقد وظيفته قد يجد في نفسه مشروعًا طالما أجّله خوفًا من المجهول. والفارق بين شخص وآخر ليس في حجم الصعوبة، بل في طريقة النظر إليها: أهي جدار يوقفنا أم سُلّم نصعد عليه؟
ولا يعني ذلك أن نتجاهل الألم أو نتظاهر بأن المعاناة هيّنة؛ فالحزن والتعب مشاعر إنسانية صادقة لا عيب فيها. لكن العبرة ألا نستسلم لها، وأن نتعلم كيف نحوّل الوجع إلى دافع، والخسارة إلى درس، والتعثّر إلى خبرة تضيء لنا ما بعده من دروب. فكل تجربة قاسية تترك فينا أثرًا، وأجمل الآثار ما كان نضجًا وحكمة وقدرة أكبر على الاحتمال.
وفي عالمنا العربي اليوم، حيث تتزاحم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تبدو الحاجة ماسّة إلى هذه الروح الإيجابية. فالشباب الذين يواجهون شحّ الفرص قادرون على صناعتها بالإبداع والمبادرة والعمل الجماعي، والمجتمعات التي مرّت بالأزمات قادرة على النهوض أقوى مما كانت إذا أحسنت قراءة دروسها واستثمرت طاقات أبنائها.
وهكذا نخلص إلى أن الصعوبات ليست عدوًّا يجب الهروب منه، بل معلّم قاسٍ يمنحنا أثمن الدروس. ومن رحم الألم تولد الأحلام الكبيرة، ومن عمق التحدي تنبثق الإنجازات التي تغيّر مصائر الأفراد والأمم. فلنتعلّم أن نبتسم للعقبات، ونمشي فوقها بثقة، مؤمنين بأن وراء كل ليلٍ طويل فجرًا ينتظر من صبر وسعى وأحسن الظن بالله وبنفسه.
![]()
