ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
1792689962644

 

 

الكاتبه أمل سامح

 

لم أكن أعرف أنَّ الحزن يستطيع أن يُعيد رسم الوجوه، حتى رأيتُ وجهًا أحببتُه يومًا، فلم أعرف إن كان الذي تغيّر هو ملامحُه، أم أنَّ الفقد قد غيّر شيئًا في عينيَّ أنا.

 

هل تتغيّر ملامح الإنسان عندما يفقد مَن يحب؟ أم أنَّ الروح حين تنكسر، تُطفئ في الوجه أشياء لا يعرف أحدٌ كيف يُعيد إشعالها؟

 

هناك وجوهٌ لا يسرق الموتُ أصحابَها وحدهم، بل يسرق معهم ضحكاتٍ كانت تسكننا، وطمأنينةً كانت تُرتِّب فوضى أيامنا، ونسخةً من أنفسنا لن نلتقي بها مرةً أخرى.

 

بعد الفقد، لا يعود المرء كما كان… يبتسم، نعم، لكنَّ ابتسامته تصبح أكثر حذرًا، كأنها تخشى أن تفتح الباب لوجعٍ قديم. يتحدّث، ويضحك، ويجلس بين الناس، لكنَّ في داخله مقعدًا فارغًا لا يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه. وحين يسأله أحدهم: «ما بك؟» يقول: «لا شيء». لأنَّ بعض الأوجاع أكبر من أن تُروى، وأثقل من أن تُحمل في الكلمات.

 

نعم، تتغيّر الملامح… لكن ليس بالطريقة التي يراها الجميع.

 

قد تظهر تجاعيد صغيرة حول العينين، لا لأنَّ العمر تقدَّم، بل لأنَّ الدموع مرّت من هناك كثيرًا. وقد تنطفئ لمعةٌ كانت تُشبه الفجر، لا لأنَّ الحياة فقدت جمالها، بل لأنَّ الشخص الذي كان يجعلها جميلة لم يعد هنا. وقد يشيب القلب قبل الرأس، ويصبح الإنسان أكبر من عمره بكثير، فقط لأنه اضطرَّ إلى توديع مَن كان يتمنّى أن يشيخ معه.

 

والأشدُّ وجعًا من الفقد، أن يراك الناس بعده ويقولوا: «لقد تجاوزت الأمر، تبدو بخير».

 

لا أحد يعرف كم مرةً جمعتَ شتاتك على أرض الحمّام كي لا يراك أحدٌ منهارًا، وكم مرةً حدَّقتَ في وجهك بالمرآة، محاولًا أن تتعرّف إلى ذلك الغريب الذي يسكن ملامحك. لا أحد يعرف كم مرةً كدتَ تُرسل رسالةً إلى مَن رحل، ثم تذكَّرتَ أنَّ بعض الغائبين لا ينتظرون رسائلنا، وأنَّ بعض الأبواب، مهما طرقناها، لن تُفتح.

 

وأحيانًا، لا نفقد مَن نحب بالموت وحده… قد نفقده وهو على قيد الحياة، حين يتغيّر صوته معنا، حين تصبح أحاديثنا عبئًا عليه، حين يُصبح وجودنا في حياته تفصيلًا يستطيع الاستغناء عنه بسهولة، بينما نظلُّ نحن عاجزين عن الاستغناء عن أبسط ذكرى تجمعنا به.

 

وهذا النوع من الفقد لا يترك شاهد قبرٍ نزوره، بل يترك ألف ذكرى نصطدم بها كل يوم.

 

فهل تتغيّر ملامح الإنسان عندما يفقد مَن يحب؟

 

ربما لا تتغيّر ملامحه بقدر ما تفقد روحه قدرتها على إخفاء ما حدث لها.

 

فالعين التي بكت طويلًا لا تنظر إلى العالم بالطريقة نفسها، والقلب الذي انتظر طويلًا لا يفرح بسهولة، والإنسان الذي اضطرَّ إلى دفن أمنياته بيديه، لن يعود ذلك الشخص الذي كان يصدّق أنَّ الغد يحمل له ما يتمنّاه.

 

وإذا صادفتَ يومًا إنسانًا تغيّرت ملامحه، فلا تسأله عن عمره، ولا تُخبره بأنه أصبح مختلفًا.

 

ربما كان يُحاول فقط أن يعيش بعد أن مات في داخله شيءٌ لن يعرف أحدٌ اسمه أبدًا.

 

وربما، حين تنظر إلى عينيه طويلًا، ستجد شخصًا ما زال يقف عند لحظةٍ قديمة، يمدُّ يده إلى مَن يحب، ولا يفهم لماذا عاد من تلك اللحظة وحيدًا.

 

وأنا لا أخاف أن تتغيّر ملامحي من الحزن…

 

أنا أخاف أن أعتاد غياب مَن أحب، أن أستيقظ يومًا فلا أبحث عنه في تفاصيل يومي، أن أمرَّ على الذكريات دون أن يرتجف قلبي، أن يصبح اسمه عاديًّا على لساني بعدما كان يكفي وحده ليُربك نبضي.

 

أخاف أن أتعافى منه، لا لأنَّ التعافي موجع، بل لأنَّ جزءًا مني سيشعر أنَّني أتركه يرحل للمرة الأخيرة، وأنَّ كلَّ ما عجزتُ عن قوله، وكلَّ ما انتظرتُه منه، وكلَّ الدموع التي خبّأتُها لأجله، ستتحوّل يومًا إلى حكايةٍ أرويها بصوتٍ هادئ.

 

فهل هذه هي النهاية حقًّا؟

 

أن ننجو ممَّن أحببنا، لكننا لا ننجو من النسخة التي كنّاها معهم؟

 

أن نستعيد حياتنا، ونخسر في الطريق ذلك الجزء منّا الذي كان يعرف كيف يفرح دون خوف، ويحب دون حساب، وينام دون أن يراجع في رأسه آخر حديثٍ وآخر نظرةٍ وآخر وداع؟

 

لا أعرف…

 

كلُّ ما أعرفه أنَّ بعض الراحلين يأخذون معهم أشياء لا تُرى؛ يتركون أجسادنا تمشي، وأصواتنا تتحدّث، وأيدينا تُنجز ما عليها، لكنهم يتركون في أعماقنا فراغًا لا يملؤه أحد.

 

وربما لا تكون المأساة أن تتغيّر ملامحنا بعد الفقد، بل أن ينظر إلينا مَن أحببنا يومًا، فلا يعرف كم مرّةً متنا في غيابه… ثم اضطررنا

إلى العودة إلى الحياة بوجهٍ لا يُشبهنا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *