ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261101 WA0096

 

الكاتبة: عاليا عجيزة

 

في أطراف القرية المنسية، حيث تتداخل الأشجار العتيقة كأصابع موتى يطالبون بالثأر، كانت ترتبك القلوب بمجرد غروب الشمس. لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب من عمق الغابة، فالجميع يعلم أن الساحرة «مارثا» لا ترحم من يطأ أرضها بعد ظهور القمر الكامل.

 

كانت «مارثا» تعيش في كوخ متداعٍ من الخشب الأسود، ترتدي رداءً داكنًا ينسدل كقماش كفن قديم، وتعتمر قبعتها المدببة الشهيرة التي تخفي نصف وجهها الشاحب. في يدها، كانت تجر عصا خشبية ملتوية تنتهي برأس مدبب يشبه مخلب طائر جريح، تطرق بها على الأرض لتستدعي أشباح الغابة وشرورها.

 

في إحدى الليالي الخريفية شديدة البرودة، قرر الشاب «سليم» أن يتحدى أساطير العجائز. كان يعتقد أن قصص الساحرة ما هي إلا خرافات ابتدعها الكبار لترويع الأطفال. حمل فانوسه الخشبي وسيفه القديم، ودخل الغابة متسللًا بين الجذوع الميتة، والضباب الخفيف يلف قدميه كأنه أيدٍ خفية تحاول سحبه إلى الأسفل.

 

كلما تقدم «سليم» في العمق، كانت الأصوات تدريجيًّا تبتعد وتختفي. صمتٌ قاتل ساد المكان، حتى صوت صرّار الليل انقطع تمامًا. فجأة، اشتدت برودة الهواء لدرجة أن أنفاسه أصبحت تخرج على شكل سحب بيضاء كثيفة. وفجأة، سقط ضوء القمر الساطع من بين الأغصان ليضيء بقعة صغيرة أمامه مباشرة.

 

هناك، كانت تقف.

 

كانت تولي ظهرها له في البداية، ممسكة بعصاها الملتوية. استدارت ببطء شديد، وصوت احتكاك ردائها بالأرض يصدر صفيرًا يعصر القلوب. تجمد «سليم» في مكانه، وحاول أن يرفع سيفه، لكن يديه رفضتا الاستجابة، وكأن عضلاته قد تحجرت تمامًا.

 

رفعت الساحرة رأسها، فظهرت عيناها اللتان تشتعلان ببريق فضي مرعب، وبشرتها المجعدة المشدودة على عظام وجهها البارزة. لم تتكلم بلسانها، بل دوت كلماتها داخل رأس «سليم» مباشرة، بصوت يمزق غشاء الأذن:

 

«أتيت تبحث عن الحقيقة يا فتى؟ الحقيقة هي أن من يدخل هذا المكان لا يعود أبدًا… أنت لست زابرًا، أنت قربان الليل الجديد».

 

رفعت «مارثا» عصاها العتيقة في الهواء، وبدأت تتلو تعاويذ بلغة مجهولة، واهتزت الأرض تحت قدمي «سليم». بدأت جذور الأشجار الميتة تخرج من التراب كالأفاعي الشيطانية، وتلتف حول كاحليه بقوة حطمت عظامه. صرخ بكل ما أوتي من قوة، لكن صوته اختفى داخل أثير الغابة.

 

اقتربت الساحرة منه بخطوات ثابتة، وابتسامة باردة ترتسم على شفتيها الشاحبتين. وضعت يدها النحيلة ذات الأظافر الحادة على جبهته، وفي لحظة واحدة، شعر بأفكاره وذكرياته تُسحب منه بقوة. تحول جسده تدريجيًّا إلى خشب ميت، وانضمت روحه إلى آلاف الأرواح المحبوسة داخل جذوع الأشجار.

 

وفي الصباح التالي، عادت الغابة لصمتها، وظهرت شجرة ميتة جديدة تحمل ملامح وجه يصرخ في صمت.

 

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *