...
Img 20250620 wa0229

حوار: سارة عماد 

 

في زاوية هادئة من عالم يعجّ بالضوضاء، تجلس كاتبة شابة اختارت أن يكون قلمها موطنها الحقيقي.

لا تكتب من أجل الضوء، بل من أجل أن تنجو، أن تفهم، أن تصلح ما كُسر.

“كاري الغزالي”، صوت نسائي يختلط فيه الألم بالحكمة، والبوح بالتأمل، والخيال بجذور الواقع، في أعمالها تتقاطع المشاعر بالوعي، وتتشابك القضايا النفسية والاجتماعية، لكنها لا تقف عند حدود البؤس؛ بل تحول التجربة إلى بصيرة، والمعاناة إلى بوحٍ مُضيء.

في هذا الحوار الصادق والهادئ، تأخذنا “كاري” في رحلة داخل عوالمها الخاصة: بداياتها، فلسفتها في الكتابة، ورؤيتها للحياة والقرّاء والكلمة؛ فهي “تراثيةٌ لا تشبه أحد”.

 

١- في البداية، كيف كانت علاقتكِ الأولى بالكتابة؟ ومتى بدأتِ تشعرين بأنكِ كاتبة؟

 

– بدأت رحلتي مع الكتابة وأنا في الثانية عشرة من عمري، عندما كنتُ أدوّن مشاعري على شكل رسائل موجهة إلى أخي الراحل، ولم أكن أعلم أن ما أكتبه يُسمى كتابة؛ بل كنت فقط أُسرد مشاعري، أتنفس وجعًا في صمت.

– واستمر هذا البوح حتى الخامسة عشرة، حين بدأت أكتب مقالات نابعة من تجاربي وأفكاري، فكنت أكتب كلما تعرضت لأزمة أو تضاد، ولم أكن أدرك أيضًا أنني أكتب، بل كنت أظنه رأيًا شخصيًا.

– أما أول مرة لُقّبت فيها بـ”كاتبة” فكانت في السابعة عشرة، عندما شاركت في المسابقات الأدبية المدرسية، وكتبت موضوعات إذاعية ومشاهد تمثيلية ومسرحية للتربية النفسية، وصولًا إلى حملة كاملة عن وباء كورونا

– واختتمت تلك المرحلة بيوم ثقافي كتبتُه بعنوان “التعليم الفني حقه الاحترام”، ثم انضممت بعدها إلى العديد من الكيانات والمبادرات الأدبية، وتلقيت تكريمات من جهات مصرية وعربية.

– لكن، في الحقيقة، لم أشعر أنني “كاتبة” حقًا، إلا حين بدأ قلمي يُحدث تأثيرًا حقيقيًا في نفوس الآخرين، سواء من خلال أعمالي الأدبية أو الصحافة أو صناعة المحتوى.

 

Img 20250620 wa0228

 

٢- ما الذي يدفعكِ للكتابة؟ وهل تجدين نفسكِ فيها؟

 

– أنا أكتب لأنني وجدتُ نفسي في الكتابة، وجدتُ روحي بين نصوصي ومقالاتي، أما الدافع الحقيقي فهو أن هذا النصر، الذي يبدو للآخرين جمالًا، هو نبتةُ كسر داخلي.

 

 

 

٣- كتاباتكِ مشبعة بالبعد النفسي والاجتماعي. كيف ترين العلاقة بينهما؟

 

– أعترف أن بعض نصوصي كان يغلبها البُعد النفسي والاجتماعي، ولكنها كانت مشبعة بهذا البعد سابقًا.

– أما الآن، أصبح نادرًا ما يزور البؤس قلمي، أصبحت أكثر تمكن من إعطاء نفسي الطاقة والروح عن طريق قلمي.

– كنت أسرد مُعاناتي الخفية وهذا البعد النفسي.

– وتصادمي الواقعي وهذا الاجتماعي.

– وأيضًا كنت من حينٍ لآخر أزخرف أعمالي بالخيال.

– أما اليوم، فقد أصبحتُ أُتقن تحويل الألم إلى طاقة، وأتخذ من نصوصي ما يزيّن واقعي.

 

 

 

٤- من أين تستوحين أفكاركِ؟

 

من التُرَاثِيَّة… من خيالها، وعمقها، وروحها، وأحلامها.

أستوحي من كل ما يحمل جذورًا وإن طال عليه الغبار.

 

 

 

٥- كيف تكتبين؟ وهل تكتبين بانتظام؟

 

– أكتب عندما يهاجمني شعور أو فكرة تُلحّ على قلبي، حينما أشعر بأنّنِي بحاجة مُلحّة إلى القلم، فأمسكه، أتنهد، أسرح، وأدوّن ما يختلج في داخلي.

– أما عن الانتظام، فأنا أكتب باستمرار فقط عندما أكون في “معسكر أدبي” خاص بي، بخلاف ذلك، فأنا أكتب كُلما شعرت أو فكرت.

 

 

 

٦- ما الأقرب إلى قلبكِ من بين ما كتبته؟ وهل لنا أن نقرأ شيئًا منه؟

 

– أهوى همسات الشعر، لكنها لم تخرج للجمهور بعد. أما الأقرب إلى قلبي، فهي نصوصي التأملية التي تخرج من عمق روحي

 

– إليكم أحدها: ألا أدلك علىٰ ما يجعلك شخصًا واعيًا؟

خلقت بعقل؛ فلا تفعل ما ترى الجميع يفعلهُ بدون تفكير، ولا ما يشير بِه البعض عليكَ دون مراجعة، لا تفقد ثقتك بالآخرين، ولكن؛ دع العقل يقوم بما خُلِقَ لأجله.

ليس كل ما يفعله الجميع صحيح، ولا كل مشورةٍ صائبة.

خُلِقتَ بقلبٍ، فلا تكره بإشاعة ولا تنبذ بقول الأخرين، تعامل ودع القلوب تقبل أو تنفر.

ليس كل ما يقال صادق، وليس كل كاره عدو؛ فالبعض يكره الآخر مِن أجل حُسنهم.

لديكَ روحٌ لم تُفارق الحياة بعد؛ فقم وحاول، واسعى، وخض التجارب، لم يكن مرح بل خبرة؛ فالسقوط لا يعني الفشل، أرأيت ناجحًا لم يقع من قبل؟

لا تنظر لمُعاناة الآخرين فبعضهم يعانون مِن هبوطهم عن الفِراش.

توجد أنتَ؛ فلماذت تعتمد هم؟

أنت تساوي فِكرك، مشاعرك، محاولاتك… أنتَ.

 

لِــ: كَارِي الغَزَّالِي.

 

 

Img 20250620 wa0227

 

٧- هل تهتمين برأي القارئ؟ وهل تؤمنين بالنقد؟

 

– نعم، بالطبع الآراء مهمة، لكن ليس جميعها، فيجب على الشخص أن يكون ناضجًا بطريقةٍ تجعله يسمع الآراء ويحللها ثم يرىٰ إذا كانت تستحق أم لا، فبعض الآراء حين تُحللها تكتشف أنها تُفيدك؛ وبعضها الآخر لا يستحق حتى الإنصات؛ لأنها صادرة عن حقد أو جهل، وسوف تفرق بين حالات الرأي من شخصية صاحب الرأي وأسلوبه.

– أما النقد الحقيقي، فبالنسبة لي هو من أساليب ترميم الكُتّاب، والأعمال، وفكرهم، ولكن اعتراف حق… لا يوجد كاتب أو عمل لا يستحق النقد أو المراجعة، وهذا ليس ذم، وإنما نحن جميعًا نتعلم ما دمنا نحيا.

 

 

 

٨- كيف ترين دور الكاتب في المجتمع؟

 

– الكتابة هِبة وهبها الله لفئةٍ من البشر؛ لكي يرفعون راية الحق، رُزِقوا بأقلامهم الحُرّة لكي يقدمون رسالة قوية صحيحة؛ فالكاتب هو مُظهِر للمجتمع الطريقة الأفضل لكي يُظهِر المجتمع بصورة أفضل.

 

 

 

٩- ما رأيكِ في وسائل التواصل؟ وهل أثّرت على تجربتكِ؟

 

– مثله كمثل كل شيء، فهو سلاح ذو حدّين؛ فمثل ما لهُ إيجابيات له سلبيات؛ فهو يقدم فرص أكثر لدعم أكثر، ولكنه وسيلة أكثر سهولة لإهدار الوقت والطاقة والفرص؛ فالبعض يستخدمه لنشر الخير والتوعية، والبعض الآخر يفسد وينهب.

– ولكنه، كان بالنسبة لي، بوابة إضافية عبرتُ منها نحو الأدب، إلى جانب الدفاتر والمسابقات.

 

 

 

١٠- وأخيرًا، ماذا تقولين للقارئ الذي يتابعكِ؟

 

– عزيزي متابع التُرَاثِيَّة…

– أتمنى أن تجد ذاتك بين نصوصي، وأن ينشأ وعيك بين محتواي، وأن أقدّم لك ما يزخرف كتابي بالعمل الصالح الذي يشفع لي.

– أتمنى لك رحلة ترَاثِيَّة ممتعة، معونها بهار، مرشدتها جنوبية، تُقدم لك فِكر “كاري الغزالي”.

 

وفي النهاية، لا تشبه” كاري الغزالي” سوى نفسها.

كاتبة تشق لنفسها دربًا من نورٍ وحبر، لا تمضي فيه إلا حين يكون للقلب قولٌ، وللفكر مقصد.

بين التُرَاثِيَّة والحلم، بين الجنوب والمجاز، تحيك نصوصها من خيوط التجربة، وتهديها لقارئٍ يُدرك أن الحروف ليست زينة… بل حياة أخرى.

وهكذا انتهى الحديث، وبقي صدى الكلمات يطرق باب الروح… لعلّنا نكتب، أو نشفى.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *