كتب: محمود جمال أبو خميس
في زمنٍ اختلطت فيه الألقاب بالمظاهر، وصار للورق سلطانٌ على الحقيقة، بات من الضروري إعادة النظر في قيمة ما نمنح، ومعايير من نمنحهم.
أنا لا أُقِرّ بأن مجرد الحصول على درجة الدكتوراه، يمنح صاحبه تلقائيًا لقب “دكتور” بالمعنى الحقيقي.
لقد أصبحت الشهادة اليوم متاحة لأي طالب عادي يجيد الحفظ ويحسن الالتزام بتعليمات مشرفه، دون أن يشترط فيه التفوق الفكري أو التميز الإبداعي.
يمنَح بناءً على اجتياز بحث أكاديمي نمطي، يمكن تحضيره بتجميع المراجع وتكرار الطرح المعروف.
مجرّد اجتياز لإجراءات أكاديمية محددة، تعتمد على الحفظ، والاقتباس!
فهل يكفي أن يجمع مراجع، ويرتّبها في بحث تقليدي، كي يلقّب بعد ذلك بـ”دكتور”؟
أين إذن قيمة العبقرية؟ وأين معيار التميّز الحقيقي؟
فما الخلاف بيني وبينهم في أطراف المسائل، بل في صُلب التخصص، وفي بديهيات الفكر، حيث يُفترض أن تتسع المدارك وتسمو العقول.
لكنّي كثيرًا ما واجهت ضيقًا في الأفق، وتشنّجًا في الحوار، وعجزًا عن استقبال الفكرة إذا لم تسر على هوى المألوف!
فأتعجّب:
كيف نال هذه الدرجة من لا يملك رحابة العقل، ولا مرونة الفهم، ولا تواضع البحث؟
وإني لا أعمّم، فبينهم من نجلّه ونحمل له التقدير.
أليس من الأجدر أن تتطور منظومة منح الدكتوراه، لتتناسب مع عقول بمستوى “بروفيسور” حقيقي؟
أليس الأولى أن يعترف بالإبداع كمسارٍ مكافئ – وربما أرقى – من المسار الأكاديمي التقليدي؟
أن تواكب عقول المبدعين، لا أن تحصر التقدير في من أتقن قالبًا شكليًا؟
إننا بحاجة إلى مفهومٍ جديد للدكتوراه:
لا يقوم على الاستيفاء الإداري، بل على التحقق الفكري.
ولا يمنَح لمن حفظ، بل لمن ألهم
لا يرتبط باللائحة، بل بالرسالة.
![]()
