...
Img 20250628 wa0320

 

المحررة: رحمة دولاتي

على الكاتب أن يتميز عن باقي البشر، ويكون سابق جميع الاحداث ويحدد النهاية قبل أن تحدث الكاتب هو عقل مختلف عن الجميع وسنعلم هذا من حوارنا المميز مع الكاتب صالح.

 

يقال إن لكل إنسان نصيب من اسمه، ما هو أسمك، وهل لك نصيب منه ؟!

اسمي صالح أحمد. ليس بالضرورة في زمننا بكل أسف أن يكون لكل إنسان من اسمه نصيب، فلقد تغيرات اللغة وتبدلت المفردات، ولم تبق المعاني على حالها.

لكني أرجو وأحاول أن يكون لي هذا النصيب من اسمي، وهي محاولة مجهدة في زمنٍ كالذي نعيش فيها، إذْ تمَّ تجريف القيم، وهددت الثقافات بالمحو.

عمر الإنسان يقاس بالحكمة، من حكمتك في الحياة، كم سنة تمنح نفسك؟

بينما وصل قطار السنوات للمحطة السابعة والأربعين، لكن سنين الحياة جعلتني قد بلغتُ من العمر عتياً، وانهزمت فيه إرادة الزمن.

وفي كتابي الأخير ( مدينة الأشباح) اخترعنا مقياساً جديداً للزمن يأخذ ضريبة من سنوات العمر، حتى انتحر بداخل المدينة الزمنُ ذاته.

هل يمكنك إبلاغي عن عمرك الحقيقي؟

كان ذلك ممكناً قبل سرقة العمر وضياع طريقة حسابات السنين من الذاكرة.

يخال الناظرُ إلينا انهزام الأمل في السباق، غير أنَّ الحقيقة أن هزيمتنا كانت من انحدار الزمن، وانكماش الأرض بفعل حماقات الإنسان، الطاووس المُغتر بريشه، أو البالون المرتفع على فراغه متقلباً منتشياً، وهل يفرح بالفراغ إلا الحمقى؟!

الموهبة تولد فينا، ولكننا من يطورها، ما هي موهبتك وكيف طورتها؟

الموهبة منحة يهبها الله للإنسان. وهي ترجمة مختصرة لتفاصيل رحلة طويلة قطعها الإنسان في سباقه مع الزمن منذ هبوط أبوينا على الأرض اختباراً، جعلته سباقات التحدي مع العدو انتحاراً.

كان الحديث مقبولاً عن الموهبة في الماضي الذي كنا نسمع به قبل الدخول في الطور النهائي لبوابة الحياة ضمن قطار الزمن. أما الآن، فأنا جزء من الزمن.

ضاق العزم عن الوصول لسرقة محتويات خزينة الأيام، ومن ضمنها مواهب الإنسان، ومنذ رحلة سيطرة الآلة وطحن محتويات الذاكرة نعاني من رحلة هبوط كبيرة في درب الموهبة.

لكني أذكرُ من ضمن ما تبقى لي أن موهبتي كانت الدفاع عن الحب والإنسان وتقديم مذكرات دفاعية كثيرة لمحاولة إقناع الحب أن يبقى.

وسقتُ شواهد كثيرة تحاول تبرئة الإنسان من جريمة اغتيال المشاعر وقتل الأحاسيس، إلى أنْ توفرت كل الأدلة على وقوع الجريمة منه مع توفر سبق الإصرار والترصد.

وبانت بعد ذلك تفاصيل جرائم كثيرة كانت مخفية والضحايا في مقابر جماعية سرية ضمت القيم والثقافة.

ولما خلت الساحة تبدل العهد وانقطعت الصلة بين الموهبة والزمن، ولم يعد الزمان الحالي مكاناً مناسباً لاحتضان المواهب الحقيقة.

دائمًا لكل بداية في حكاية ورواية، لا بد أن تحكي الموهبة، هل يمكنك إبلاغي ما هي حكايتك لكي تصل إلى حلمك أو موهبتك؟

حاولت فهم الزمن لكن خانتني السنون. مع هذا لم أستسلم ودافعت عن أحلامي، فلما انهزم الزمنُ بفعل الإنسان، وأتى ونزل ثم تاه وضاع وتغيرت معالم الطريق، وضعتُ أحلامي وآمالي المحطمات وانسحبت.

عندما هربتُ من مطاردة التغيير نمت علاقة مشروعة من صداقة مبنية على الصراحة بيني وبين الزمن.

فحملني الزمنُ وعاد بي لحكايات الصغر التي كانوا يمررون وقتنا بها. ومع الصدق اطمئن الزمن لي.

ومنحني كلمة السر للمرور، واكتشفتُ ما لم أكن أتوقع من غير ما كنا نعرف.

واتضحت الحقيقة المذهلة أنَّ الزمن لم يجن على الإنسان شيئاً.

وأنه كان يسمع اعتداء الإنسان عليه ولم تكن مشاعره إلا كإحساس الذئب عندما وصمه إخوة يوسف بفعل لم يقع.

برغم أنه لم يكن موجوداً في مكان ارتكاب الجريمة، كما أنَّ يوسف أُخذ غدراً فلم يستبق إخوته ولم يرتع.

اتضح حينئذٍ أن الإنسان هو الجاني على الزمن وهو السارق لخزينة الكون وهو المعتدي الهارب من مصيره للفراغ.

لو أن موهبة الإنسان أحيانًا تختلف عن دراسته، فهل يمكنك إبلاغي ما هي دراستك وهل هي متشابهة مع موهبتك أم لا؟

كان سؤالك من ضمن الأسئلة التي كانت تأتينا خارج المقرر قبل رحلة التغير، وكانت معلمتي تحثني وقتها أن أبحث عن جواب، وتحذرني من عدم ثبات المنطق بين مراحل الزمن.

عندما انتبهت واستوعبت ما كانت تقصده معلمتي، كنتُ قد تخرجت من كلية الحقوق جامعة المنصورة.

نظموا مسابقة ذات يوم عن كتابة ( المقال) فلما كتبتُ عن الزمن فاز مقالي ( زمان الغربة ) بالمركز الأول، دون وجود منافسين.

كانوا يدعموننا هناك. مع ذلك كانت أوجه الشبه موجودة لكنها ضعيفة لما طرأ من تغيير على تشكيل الموهبة ذاتها. كانت هناك معانٍ أخرى سادت على الموهبة قبل رحيل الزمن وانسحاب السنين من رحلة الأيام.

لكل إنسان حكمة يؤمن بها، ما هي الحكمة التي تؤمن بها في الحياة؟

عندما كنت شاباً صغيراً كتبتُ على جدار غرفتي الصغيرة والمتواضعة

( لا تغتر بالمظاهر الكاذبة فالأشياء الجميلة لا تكون دائمًا طيبة)

عندما كبرتُ ومرت سنوات الحياة، حاولت أن أسترجع الوقت الضائع من حياتي، فرُفِض طلبي، وقالوا

( خدعوكم فالزمن لا يرجع).

ومصطلح (الوقت الضائع)

كان من ضمن اختراعات الإنسان، حين جعل الضياع صفة لكل القيم الحياتية، وليس الوقت فقط.

وقتها سمعتُ صوتًا من خلفي تغيب تفاصيله في الأفق ( أما المظاهر فكلها كاذبة ولم يعد هناك جمال يمكن وصفه). جار الإنسان على نفسه ثم رمى ذلك على الزمان.

أمام كل حلم عقبات، هل حصلت لك مشكلة في طريق حلمك من قبل؟


كانت أهم العقبات نفاد رصيد الأحلام.  مشكلتنا أننا نعيش في زمن بلغة زمن آخر، ونريد أن نعيش ونبتاع ونبيع ولم تكن العُملات التي معنا تناسب الزمن.

كانت عملة ورقية قديمة لم تعد ذات قيمة. كنا نتحدث عن أشياء لم يجربها الإنسان الذي كان يعيش تلك الأيام، بينما ندافع عن قيم راحلة.

كلما تقدم الإنسان، يعود إلى أول شيء فعله ويجد فيه أخطاء، أول نص لك كتبته في البداية، لو عدت إليه، كم في المئة ستجد فيه أخطاء؟

لم يكن الهدف من الكتابة مجرد الكتابة، كفن إبداعي. كانت الكتابة بالنسبة لي مواجهة لمنع هزيمة القيم، ولمقاومة إبادة الثقافة.

كانت الحروف متداخلة، والكلمات متصلة ليس بينها مسافات، وغابت علامات الترقيم، ولم تعد ثمة معانٍ واضحة.

كان الخيال قد أصبح واقعاً، والواقع صار ثقيلاً وكئيباً، فراحت الكتابة انعكاس للخيال تبتعد عن الواقع، بينما قاومتُ واستطعتُ أن أمضي غير مهتم لفصل الكلمات وترتيب الحروف وضبط النقاط فوقها، وأهملت علامات الترقيم لما أحسست في آخر الرحلة بالتعب.

فكانت الأخطاء أني صممت على عدم بيع الوهم، وانتصرت داخل حدود نفسي، دون أن أهتم إنْ رأى الناسُ ذلك انهزاماً. في زماننا لم تعد الكثرة على الحق.

فالخطأ في الزمن واختبار العملة واللغة حاولتُ تداركه في التجربة الأخيرة، عندما وجهت للإنسان في محتواه العالمي الصفعات القوية التي لم يكن جديراً بغيرها.

ولم يستطع أن يرد لأني طبقتُ نظرية معلمتي عن فن الأسئلة التي لا يكون لها إجابات بطريقة جيدة.

للكتابة أنواع كثيرة، ما هو أكثر نوع تحبه؟

أحبُ الكتابة التي تجيد توصيف الواقع، وتعيد ترتيب الزمان، ولا تبيع الوهم، فالناسُ لم يعد ينقصهم أوهام إضافية.

بالنسبة لي كانت لي محاولات اختراع مفردات جديدة لقاموس يحكي رحلة تطور الإنسان عبر مسار تاريخي شديد التعرج.

لازلت أكتب وأغني كلماتي دون ألحان في طريق قديم هجره الناس.

لكني مع ذلك أشعر في الوحدة بأمان، نابع من اطمئنان، سببه رفض بيع الوهم، أو خداع الكتابة بخيال ينفصل عن الواقع، أو يشارك في رحلة الانحدار الكبيرة للحضارة الإنسانية.

الحضارة هنا تعني الكلمة التي اخترعها الإنسان لنفسه عند تعبئة البالون الفارغ داخله بالهواء قبل أن يرتفع لأعلى في صمت الفراغ.

وفي كل مشوار يظهر مدعو حب الخير ويبانون على الحقيقة، هل قابلت أحدًا في حياتك ادعى أنه يحب الخير لك وظهر عكس ذلك؟

لم يعد في الحياة أكثر من هؤلاء. بالنسبة لي أنا تنبأت بما وصل إليه حال الإنسان المنحدر مبكراً من زمنٍ بعيد.

عندما فتحت أبوابي لاستقبال الحب المطرود من رحاب مادية الحياة.

وقتها أهدت لي نفسي كتاباً مطوياً بداخله تفاصيل مخططات قديمة لدحر القيم داخل حدود النفس البشرية. فكل الذي يجري ويستغربه الناسُ أو لا يشعرون به سبق لي علمه، وبذلتُ جهدي للتنبيه بأعلى صوتي.

لكني كنت في فراغ ممتد، ولا يصل صوتي خارج حدود نفسي.

لم أعد أتأثر بذلك، فأنا صاحب نظريات كثيرة منها

( العطاء والوفاء )

( عكس نظرية التضحية)

( إن غاب الحب فاكتف وعشه مع نفسك دون أن تنهزم)

و(نظرية البالون الفارغ)

و(الإنسان الآلة)

وأنا مخترع أسرار ( ماكينة سحق الأفكار).

أنا الذي دافعت عن المرأة ضمن حكايات الحب والخداع، ثم أنا مؤخرًا برهنت أن

( المرأة لم تسكن من قبل الزهرة، ولم تطأ قدم الرجل المريخ)

كما قيل! من الطبيعي بعد ذلك ألا أتأثر بمشاعر الخداع، فأنا أحد مؤرخي الحب.

لم يكتب أحد قبلي تأريخاً لرحلة انحدار الثقافة. فارتفعت الأنا داخلي من ضمن إرهاصات الإنسان الطاووس!

لكل نجاح أعداء، هل لديك أعداء أم أنك لا تزال في بداية المشوار ولم يقابلك أي عدو حتى الآن؟

المجموعة التي تخطط لتدمير الإنسان والمحتوى الخاص بالقيم داخله تحاربني كثيراً، وترسل لي رسلها باستمرار ما بين إغراءات أو تهديدات.

لكل مشوار تجارب صعبة، هل وُضعت في اختبار صعب بسبب موهبتك؟

الحضور المتأخر والوصول بعد فوات الأوان، فلم أستطع إنقاذ أحد من مدينة الأشباح، فالكل يرزح مستسلماً منتظراً المصير بين الأمل والتخوفات.

أحيانًا تكون العائلة سبب النجاح وأحيانًا لا تؤمن بنا، هل آمنت عائلتك بموهبتك أم كانت تعتقد أنك تضيع وقتًا؟

العائلة هي رحاب أمي عندما حازت العالم بين يديها، ومعلمتي الملهمة التي استوحت وجودها خيالاً، وصديقتي التي تعيد اختراع القراءة من جديد. وشيخ المقرأة الذي كان يعلمنا طريقة الحديث من أجل تصويب اتجاهاتنا عند جنوح السفينة.

في أشخاص تقول إنه لم يعد أحد يقرأ، ما رأيك في هذا الكلام؟

ولذا غاب الوعي وانحدرت القيم، والذي يقرأ ينجو بنفسه من السقوط ضحية بين تروس ماكينة سحق الأفكار.

من يقرأ سيبقى، ومن لا يقرأ سوف يخسر ويتحول إلى آلة. أنا لا أحبُ خضوع الكاتب للناس ولا لحاجات بيع الوهم الملحة.

لقد دخل للكتابة من غير أربابها، وهانت وسامها بعد هُزالها كل الطالبين، فزاد الوهم وهزم الخيال الواقع.

وعلى الثقافة أن تبادر لاستعادة التحكم ولتقييم الكاتبين والمحتوى، لاستعادة الناس، ولتوفير الزاد عند العودة، فالناس سوف يعودون بعد الضياع يصرخون ويحاولون أن ينقذوا وعيهم ويستعيدوا أفكارهم.

فعلى الكتاب والناشرين تصفية وتنقية مياه الثقافة لتروي حينها ظمأ العائدين.

أحيانًا الحزن يسيطر علينا لدرجة أننا نبتعد عن كل شيء نحبه، هل قررت الابتعاد عن الكتابة من قبل؟

الكتابة هي المهرب والكهف الذي نأوي إليه والصديق الذي لا يغدر بنا.

في ظاهرة غريبة انتشرت لكاتبات يكتبن بشكل جريء في أشياء لا تتناسب مع معايير المجتمع، هل تعتقد أنها حرية أم إفساد جيل قادم؟

هذا جزء من مخطط الأمم الباغية التي تخطط لإبادة ثقافتنا وتنحية قيمنا.

فالأمم التي ضعفت وانهارت حضارياً انتحرت ثقافياً، وأُتيت من داخلها من لدن بعض أبنائها الذين هموا بخرق السفينة وهزيمة القيم داخل المجتمع عبر بوابة الثقافة.

وهو أخطر ما تتعرض له الدول من حروب، فعلى الجهات المختصة بالثقافة بتطهير المحتوى.

وعلى الناشرين إعادة ضبط القيم ورفض هذه النوعية من الأعمال وتشديد الرقابة عليها.

وهي في النهاية مسئولية على كل من يشارك بسهم في رحلة التدني. وذلك في الدنيا والآخرة.

ما أكثر كتاب قرأته أعجبك؟

الحرب الباردة الثقافية.

لكل كاتب معلِّم، من هو أكثر كاتب تحب أن تقرا له؟

كنتُ أحب أن أقرأ للدكتور الراحل محمد إسماعيل علي في جريدة الأهرام، والراحل عبد الوهاب مطاوع.

ما رأيك في الدار المصرية السودانية الإماراتية، وطريقة معامله الأستاذة مها المقداد مديرة الدار ؟!

أنا لا أحب المجاملة ولا أقبل ذلك.

الدار المصرية السودانية الإماراتية أصدق دار نشر موجودة في الوقت الحالي.

وتكتسب الدار زخمها وقيمتها من أستاذة مهذبة ومتواضعة ومثقفة لا تهدف للربح ولا تمارس الخداع وتدعم الثقافة وتبحر وحدها وسط بحر متلاطم الأمواج قل فيها الصادقون والداعمون.

وهي صاحبة ذوق وتستحق مزيداً من الدعم لتقوم برسالتها، والدولة تحتاج لمثلها في خطة استرداد أو مهمة إنقاذ الثقافة.

لديها صدق في وقت انتشر فيه الكذب، ومؤمنة بالحلم في وقت أفلست فيه بائعة الأحلام.

ما رأيك في الأسئلة التي وضعتها؟ هل أعجبتك أم كانت صعبة بكل صراحة؟

الأسئلة تعكس رؤية، والإجابات انعكاس لها. لم تكن صعبة ولم تكن من نوعية الأسئلة التي كانت معلمتي تدربني عليها عندما كنتُ صغيراً.

ما رأيك في مجلة الرجوة بكل صراحة؟

مجلة رائعة جميلة تذود عن القيم في زمن انتشر فيه القبح!

Loading

3 thoughts on “الكاتب صالح أحمد في حوار مميز في مجلة الرجوة الأدبية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *