الكاتبه أمل سامح
ليس كلُّ موتٍ موتًا، فبعض الرحيلِ يشبه انطفاءَ الشمسِ من السماء…
رحلتَ أنتَ يا أبي، فأظلمَ الكون، وارتجف قلبي كطفلةٍ تُركت على عتبةِ الليل بلا يدٍ تُمسكها.
منذ رحيلك، وأنا أسمعُ وقعَ خطاك في كل زاويةٍ من الذاكرة.
أرى طيفك يمرّ من أمامي، كأنه لم يرحل بل اختبأ في الظلال، يراقبني بصمتٍ مهيب.
كم مرةً حدّثتُك في العتمة؟
كم مرةً بكيتُ على وسادتي حتى بللتها، وأنا أُقنع نفسي أنك ما زلت هناك… في الغرفة المجاورة، نائمًا فقط؟
كلُّ شيءٍ بعدك تغيّر…
حتى الساعةُ على الجدار توقّفت يوم دفنّاك، وكأنها أدركت أن الزمن لم يعد يستحق أن يمضي من بعدك.
صوتُك لا يزال يهمس في رأسي: “لا تخافي، أنا هنا.”
لكن أين؟
أين أنت الآن يا أبي؟
هل تشعر بي حين أختنق بالبكاء؟
هل تسمع اسمي حين أناديك بين الناس الذين لا يعلمون أني فقدت نصف روحي؟
كنتَ ظلي حين أتعثر، ونوري حين أضيع، وسندي حين تنكسر الأرض تحت قدمي.
واليوم، كلما واجهتُ الحياة وحدي، أُدرك أنني لستُ قوية كما ظننت… كنتَ أنتَ قوتي، وها أنا الآن مجردُ رمادٍ يتناثر مع الريح.
أحيانًا أراك في حلمٍ غريبٍ… تقف في مكانٍ لا يشبه الأرض ولا السماء.
وجهُك مغمورٌ بنورٍ خافت، وابتسامتك ساكنة كأنها تخبّئ شيئًا لا أستطيع فهمه.
تمدّ يدك نحوي، فأركضُ إليك، لكنّ المسافة بيننا تبتلعني.
أستيقظُ متعبةً، أتنفّسكَ في الهواء، وأبحثُ عنك بين ضوء الصباح فلا أجد إلا الغياب.
هل تدري يا أبي أني ما عدتُ أحتمل سماع كلمة “أب”؟
كأنها سكينٌ تُغمد في صدري كل مرةٍ تُقال أمامي.
كلّ مناداةٍ لغيرك تُذكّرني بأنك لن تجيبني ثانية.
رحلتَ… وتركتني أُحارب العالم وحدي.
لكنّي أراك في كل انتصارٍ صغيرٍ أحققه، وفي كل مرةٍ أنجو فيها من الانكسار، أسمع همسك يباركني، فأبتسم رغم الدموع.
أشعر بك في الريح، في رائحة المطر، في ذلك النور البعيد الذي يظهر فجأةً حين يضيق صدري.
يقولون إن الوقت يشفى…
لكن الوقتَ يا أبي لا يداوي مَن نزفَ من قلبه لا من جلده.
إنّ الفقد لا يمرّ… إنه يسكننا، يعيش فينا كندبةٍ خالدةٍ لا تُرى، لكنّها توجع كلما حاولنا لمس الحياة.
في بعض الليالي، حين تسكن المدينة، أسمع همساتك كأنها تأتي من وراء الجدار:
“ابنتي… لا تبكي، أنا لم أرحل تمامًا.”
فأرتجف بين التصديق والجنون، وأمدّ يدي للفراغ علّها تلمس شيئًا منك…
لكن الهواء باردٌ جدًا، كأن السماء تذكّرني أن الموت لا يُرجع أحدًا.
رحلتَ، وبقيتَ في كل شيءٍ حولي:
في صورتك القديمة التي تبتسم رغم الزمن،
في مقعدك الخالي الذي لا يجرؤ أحدٌ على لمسه،
وفي قلبي… حيث أنتَ تسكن، حيًّا رغم الغياب، خالدًا رغم الرحيل.
يا أبي…
إنني لم أتعلم كيف أودّعك، ولن أتعلم أبدًا.
كل ما أستطيع فعله هو أن أعيش على حافة الانتظار، أكتب عنك، وأبكيك، وأتظاهر بالقوة…
بينما الحقيقة أنني منذ يوم غيابك… لم أعد أنا.
![]()
