الكاتبة منال ربيعي
الزمن في الحكايات الشعبية: حضور أبدي يتجاوز الماضي
حين نحكي الحكايات الشعبية، لا نجد أنفسنا أمام “ماضٍ مضى”، بل أمام زمنٍ دائريّ يعود ليتكرّر، وكأن البطل لا يغيب أبدًا بل يظل حاضرًا في وجدان السامعين. فالزمن في هذه الحكايات ليس خطًا مستقيمًا يبدأ وينتهي، بل دائرة أبدية حيث تتلاقى البداية والنهاية في نقطة واحدة.
في الأساطير المصرية القديمة، مثل أسطورة أوزيريس، نرى الزمن يتحول إلى دورة حياة وموت وقيامة؛ فالموت لا يعني النهاية بل بداية جديدة، والرحلة لا تنتهي بل تتجدد. أوزيريس الممزق يعود متوحدًا بجسد جديد، وإيزيس التي تجمع أشلاءه ليست فقط زوجة وفية، بل رمزًا للزمن الذي يعيد تشكيل العالم كلما تفتّت.
وفي ألف ليلة وليلة، نجد الزمن يُكسر ويتفتت داخل الحكايات المتداخلة: الليلة الواحدة تصبح ألفًا، والراوي لا يتوقف عن السرد ليؤجّل النهاية، وكأن الزمن نفسه أسير لخيال شهرزاد. هنا، الحكاية تنقذ الحياة من الفناء، وتجعل الحاضر ممتدًا بقدر ما يُروى.
أما في الريف المصري، فالحكايات عن “أبو زيد الهلالي” أو “الزناتي خليفة” ما زالت تُروى وكأن أبطالها يعيشون بيننا. لا أحد يسمع هذه السير باعتبارها قصصًا انتهت، بل باعتبارها ذاكرة حية؛ الجدّة التي تحكي للأطفال عند ضوء المصباح لا تقول: “كان في زمن بعيد”، بل تقول: “كان يا ما كان”، لتفتح بابًا زمنه لا يُقاس بالساعة، بل بالدهشة والانفعال.
هذا التصور يجعل الحكاية أوسع من مجرد تسلية، فهي نافذة على فهم الإنسان للعالم. حين يظن الناس أن الماضي انتهى، تأتي الحكاية لتقول: الماضي حيّ فينا، يعيد نفسه كلما نطقنا باسمه. وبذلك يصبح الزمن الشعبي زمنًا مختلفًا عن تقاويم الملوك والسلاطين، إنه زمن الروح والذاكرة، زمنٌ بلا نهاية.
إننا حين نستمع لهذه الحكايات لا نعيش فقط ما حدث، بل ندخل في دائرة لا يفرق فيها السامع بين ماضٍ وحاضر. ولعل هذا ما يجعل الحكاية الشعبية أبديّة: فهي لا تُحكى لتوثّق ما كان، بل لتُبقيه حاضرًا إلى الأبد
![]()
