...

سر الحكمة

أغسطس 25, 2025
32ef5839ceff42adf7d46997bc54400e

الكاتبة منال ربيعي 

في زمنٍ صار فيه الوهمُ أثقل من الحقّ، وتحوّلت الفضيلةُ إلى لافتةٍ لتغطية الخوف، نحتاج إلى من يصرخ في وجه الركود: الحكمة ليست حيادًا، وليست رايةَ استسلامٍ بيضاء. الحكمة نارٌ، لا تُشعل نفسها إلا في قلبٍ جرّب الانكسار والنهوض، سيفٌ لا يلمع إلا في يدٍ تعلّمت أن تكون صلبةً بقدر ما هي رحيمة. ولأنّنا عجزنا عن فهم طبيعتها، جاءت المقولة لتصفعنا:
الحكمة أنثى، ولا تحبّ الأنثى إلا الرجل المكافح الصلب.
هذه ليست عبارةً للتأمل العابر، بل مفتاحٌ يفتح بابًا على أسئلة الوجود: لماذا الحكمة أنثى؟ ولماذا لا تُحبّ إلا المحاربين؟

الحكيم لا يُولد في الصمت، بل في العاصفة. من يظنّ أن الحكمة هي سلامٌ بارد، أخطأ الطريق. الحكيم لا يهرب، ولا يختبئ وراء كلماتٍ رخوة. إنّه من يفتح صدره لرياح الحقّ، ويقول للباطل: «اقترب، لن أُدير ظهري.» هذه ليست لامبالاة، بل حرية من الابتزاز والخوف. الحكمة تريدك جريئًا حتى لا تبيع روحك بثمن الأمان.

السخرية: سيفٌ خفيّ

من يواجه الطغيان بالصراخ وحده، يهزّ السطح ويترك الجذور. أما من يواجهه بالسخرية، فيحطم هيبته من الداخل. الحكمة تضحك على الأباطيل لأنها تعرف حقيقتها الهشّة. السخرية هنا ليست خفّةً ولا عبثًا، بل قوة: هي المعول الذي يهدم الأصنام بلا ضوضاء. الحكيم يسخر من الوهم ليكشفه، لا ليهين البشر.

لماذا أنثى؟

الحكمة ليست قسوة ذكورية ولا انفعالًا أعمى؛ إنها رحمٌ يلد الأفكار، صدرٌ يحتضن الفوضى حتى تتحوّل نظامًا. أنوثتها ليست جسدًا، بل مبدأ: الاحتواء، التكوين، الإخصاب. لكنها لا تفتح قلبها لكلّ طارق؛ بل لمن يأتي إليها محاربًا، متخمًا بالجروح، وفي عينيه بريق التحدّي. الحكمة لا تُعطيك نفسها إذا جئت متسوّلًا، بل إذا جئت صانعًا لمصيرك. وهنا ندرك أنّ «المكافح الصلب» ليس حكرًا على الرجال، بل رمزٌ لفعل الإرادة الذي يتجاوز الخوف ويصنع المعنى.

الصلابة التي تحبّها الحكمة

القسوة هشاشةٌ متنكرة في هيئة قوة. أما الصلابة الحقيقية، فهي حديدٌ يعرف كيف ينثني ولا ينكسر. الحكيم صلبٌ في الحق، لكنه يملك قلبًا يقطر ندى الرحمة. يقاتل الباطل حتى آخر رمق، ثم يمسح دمعة الطفل الذي فقد خبزه. هذه هي الرجولة الرمزية التي تطلبها الحكمة؛ أن تكون محاربًا في مواجهة الظلم، وملاذًا آمنًا للضعفاء.

إعادة الوصية بصوتٍ ملحمي

الحكمة أنثى، لا تمنح سرّها إلا لمن يجيء وفي يده سيفٌ وفي قلبه نهر. لمن يسخر من الأباطيل بلا كِبر، ويثبت في وجه الطوفان بلا خوف. إنّها أنثى متعالية، لا تفتح بابها إلا لمن قاتل حتى نزف، ونهض حتى انتصر.

الخاتمة

الحكمة ليست هالةً توضع على رأس الزاهدين، ولا كنزًا يُشترى بالسكوت. إنّها معركة، وجرح، وسفرٌ طويل في صحراء الذات قبل جبال العالم. من أرادها، فليخلع نعليه عند بابها، لأنّها أرضٌ مقدّسة، وليست موطئًا لكلّ هارب من الصراع. الحكمة أنثى، نعم، لكنّها ليست أنثى مروّضة، بل ملكةٌ متوجة، تضحك على من حاول امتلاكها بلا ثمن. فإذا أردتها، فاصعد الجبل، تحمّل جراح الطريق، ثم قف أمامها عاريًا من كلّ زيف، واجعل سيفك يمتزج بنداك. حينها فقط، ستبتسم لك.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *