الكاتب محمود عبد الله
قصة الماضي والحاضر بين مفهوم طاهر نقي يجعل الرجل خلوقًا شجاعًا يتحلّى بمكارم الأخلاق، والمرأة طاهرة شريفة تعيش في كنفه وفق شرع الله، وبين مفهوم دنّسته الخيانات، فيصبح فيه الرجل مارقًا يلهث خلف شهواته، وتجعل المرأة عشيقته التي يتمتّع بها دون رابطة شرعية.
في بداية الأمر، لابد أن نعرف أن الله سبحانه وتعالى لم يترك شيئًا إلا أوضحه في كتابه العزيز، وكذلك السنة النبوية الشريفة. والحب كان له نصيب وافر من ذلك.
تحدث الله عن الحب في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، منها حب ابنة سيدنا شعيب لسيدنا موسى، بعدما وجدت منه القوة والأمانة والحياء، ولن أسوق لكم الآيات فذلك لا يخفى على الجميع.
وأيضًا ذكر حب امرأة العزيز لسيدنا يوسف.
وفي السنة النبوية نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب السيدة خديجة، وكان وفيًا لها في حياتها وبعد وفاتها.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت:
“ما غِرتُ على أحد من نساء النبي ﷺ ما غِرتُ على خديجة رضي الله عنها، وما رأيتها قط، ولكن كان يُكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة! فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد” متفق عليه.
أي حب هذا وأي وفاء هذا!
أيضًا أحب النبي السيدة عائشة، وكان يسابقها وينام في حجرها، وهو نبي الأمة صلى الله عليه وسلم.
وأذكر لكم أيضًا من السير قصة مغيث وبريرة، وهي باختصار كانت في عهد النبي ﷺ. كان مغيث يحب بريرة وهي زوجته وكان عبدًا، وهي أمة. فطلبت بريرة من السيدة عائشة أن تقرضها لتتحرر من الرق، وبعد ذلك انفصلت عن مغيث؛ لأنه في هذا الوقت كان يحق للأمة إذا تحررت أن تنفصل عن زوجها العبد.
وطلب مغيث من النبي أن يشفع له عندها، فقال لها النبي: “لو راجعتيه؟” قالت: تأمرني يا رسول الله؟ قال: “إنما أنا شافع”. قالت: لا حاجة لي فيه.
وأيضًا قصة حب عروة وعفراء، وقال فيها الفاروق عمر بن الخطاب: “لو أدركت عروة وعفراء لزوجتهما”.
وكثير من ذلك في الإسلام.
وقد قال الشاعر:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى
فليس لك من طيب الحياة نصيب
كل ذلك ولم يذكر السابقون أي شيء عن تلاقي الأرواح وحب الروح والتخاطر وما إلى ذلك من الأشياء التي نسمع عنها الآن. وحديث النبي عن الأرواح كان قوله صلى الله عليه وسلم:
“الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”.
وذلك ليس قاصرًا على الحب، وإنما بين البشر بصفة عامة. ففي بعض الأحيان تجدين من صديقاتك من يشبهك، وتتعلقن ببعضكن، فهل هذا يندرج تحت الحب الروحي؟
ومن هذا القبيل أيضًا الصداقات بين الذكور وبعضهم.
الحب من الأشياء الجميلة التي يضعها الله في قلوب العباد، ولكن ليس بالممارسات غير الشرعية التي نراها اليوم من مرافقة الشباب والبنات والرجال والنساء لبعضهم دون رابطة شرعية بينهم تحت مسمى الحب.
فكم من خيانات وجرائم حدثت باسم الحب، وكم من أفلام وروايات صوّرت لنا زوجات خانَت أزواجهن بحجة التحرر والحب الطاهر!
أي طُهر بين رجل وامرأة متزوجة؟ أي حب هذا الذي تضيع فيه الكرامة، ويضيع فيه الشرف، وتتدنّس فيه الأرحام؟
ثم نأتي ونلوم على ما وصلنا إليه من حال ذميم وعلاقات مشبوهة، وقد صدّرت لنا السينما والتليفزيون الخيانة على أنها حب، تلك هي الآفة التي قضت على شيم الاحترام في شبابنا وبناتنا، ودمّرت أخلاقهم. وأصبح من يتمسّك بالقيم يُنظر إليه كمتحجر وغير متحضر، وأصبحت الحيية الشريفة مدّعية للفضيلة مثيرة للشفقة!
تلك أفكار أودت بالأخلاق الكريمة، وأصبح الأفراد يسايرون ما يحدث في المجتمع حتى لا يكونوا مختلفين وغريبي الأطوار.
انتبهوا! فكل نظرة، وكل لقاء، وكل لمسة، وكل كلمة تُقال تحت مسمى الحب، هي ذنب يُكتب في صحفكم، وتحسبونه هيّنًا وهو عند الله عظيم.
الحب ذُكر في القرآن والسنة، ولكن تحت ضوابط شرعية.
الحب ليس قاصرًا على العلاقة بين الجنسين، وإنما بين الله والعباد حب، وبين العباد وربهم حب وخوف وأمل ورجاء، وبين الأم وأبنائها حب، وبين الأب وأبنائه حب، وبين الأصدقاء حب.
الحب أسمى من تلك الأفعال التي تُرتكب حاليًا باسم الحب.
الحب أقرّه وأثبته القرآن الكريم والسنة النبوية.
وما بالنا إن وجد الحب كما ذكرته بين الأزواج، سيعيشون جنة الله في الأرض.
الحب يُرى في الاهتمام والتقبّل والاحترام، ويجب أن نعلم أن:
قليل من الحب مع كثير من الاحترام
أفضل بكثير من قليل من الاحترام مع كثير من الحب.
![]()
