الكاتبة منال ربيعي
في زمن يموج بالضوضاء والاضطراب، يفتش الإنسان عن ملاذ يطمئن فيه قلبه. ورغم كثرة الوسائل المادية من ترفيه وتكنولوجيا، يبقى السؤال حاضرًا: لماذا نفتقد السكينة؟ يرى المتصوفة أن الجواب ليس في الخارج بل في الداخل، فالقلب هو بيت الله الصغير، ومن عمّره بالصدق والذكر والرضا وجد فيه الطمأنينة. يقول ابن عربي لقد صار قلبي قابلاً كل صورة، فهو مرعى لغزلان ودير لرهبان، وكعبة للطائفين… أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه، فالحب ديني وإيماني. فالمعرفة عنده لا تنفصل عن الحب، والحب هو الطريق إلى السلام.
السلام الداخلي لا يعني أن تختفي الهموم أو تنتهي المشكلات، بل يعني أن يكون للإنسان منظور آخر للحياة؛ منظور يرى الحكمة في الألم كما يراها في الفرح، ويوقن أن ما يأتي من عند الله يحمل خيرًا ظاهرًا أو خفيًا. ابن عطاء الله السكندري عبّر عن هذا حين قال ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه. فالاضطراب ينشأ حين نرفض مجرى الأقدار، بينما السكينة تولد حين نتسع لقبولها.
وهذه الفكرة تتجلى في مواقف حياتية كثيرة. فالعامل الذي يُفصل من وظيفته قد يظنها نهاية الطريق، لكنها قد تكون بداية لفرصة لم يكن يتخيلها. والأم التي تفقد ابنها قد يغمرها الحزن، لكن إذا رأت أن الموت انتقال لا فناء، استعادت قدرتها على العيش. الحلاج لامس هذا المعنى حين قال قتلوني ولم يدروا بأني حيٌّ في قلبي مع الله. وحتى الفقير الذي يرضى بما عنده يعيش أحيانًا بطمأنينة أعمق من الغني الذي لا يشبع، لأن الرضا مقام روحي يعلّم صاحبه أن الغنى الحقيقي هو غنى القلب.
الرومي عبّر عن هذه المفارقة ببساطة شاعرية حين قال لا تبحث عن السماء خارجك، فالسماء داخلك.
فمن ذاق لحظة رضا صافية أدرك أن الطمأنينة لا تُشترى، بل تُزرع في الداخل بذكر الله وتأمل معاني الوجود. وهكذا يصبح الإنسان متوازنًا وسط ضجيج العالم، لأن قلبه صار بحرًا ساكنًا مهما هبّت عليه العواصف، وكلما اشتد الموج ازداد يقينًا بأن في الأعماق سرًا لا يعرفه إلا من أحب الله حتى صار هو السلام نفسه.
![]()
