...

غفلة

سبتمبر 7, 2025
Img 20250907 wa0106

الكاتبة فاطمة صلاح الدين بُجة

 

كنتُ في الثانية عشرة من عمري حينما مددتُ يدي أول مرة.

أتذكر الرهبة التي اجتاحت قلبي، والرجفة التي اهتزّ لها بدني.

برغم الخوف، إلا أنني استطعت أن آخذ المال من ذلك العجوز الذي يسكن بجوار دارنا.

نعم، لقد سرقتُ جاري، والغريب في الأمر أنه لم يكتشف أمري، فزاد ذلك من تمردي، وتماديت أكثر، فأصبحت السرقة خصلة من خصالي.

 

أتذكر يومًا كنتُ أسير في الطريق قاصدًا مدرستي، حينما لمحتُ ذلك الرجل من بعيد، وهو يحمل بين يديه محفظة يبدو من هيئتها أنها مليئة بالنقود.

شعرت بزغللة في عيني، وزادت ضربات قلبي، وصراعٌ داخلي اجتاحني؛ هل أسرق هذا المال، أم أمضي في طريقي غافلًا ما قد رأيت؟

 

خطوة بعد خطوة، كنتُ قد اقتربت من ذلك الرجل، فأصبحت المسافة بيننا قصيرة.

كان لا يزال واقفًا يحمل المحفظة بين يديه، يحاسب صاحب البقالة على مشترياته.

أدرت وجهي في الاتجاه المعاكس حتى لا أنظر إليه فتضعف نفسي، إلا أنني بمجرد أن وصلتُه، لم أجد نفسي إلا وأنا أركض لاهثًا، حاملًا بين يديّ محفظة الرجل.

حاول اللحاق بي، لكن لم يسعفه الوقت، فقد كنتُ قد ابتعدت كثيرًا، ولم يستطع أحدٌ الإمساك بي.

حينما اقتربت من مدرستي، وقفتُ برهة أنظر إلى المحفظة بتمعّن، وسؤال واحد يجوب في خاطري: لماذا؟

 

لماذا أفعل هذا، رغم أني لستُ بحاجة إلى النقود؟

كنتُ وقتها في الخامسة عشرة، لم أكن صغيرًا يجهل سوء تصرفاته، كذلك لم أكن كبيرًا كفاية حتى أفهم السبب وراء أفعالي التي لم أجد لها تفسيرًا.

 

أخذتُ النقود التي بحوزتي، ورميتُ المحفظة بعيدًا، ثم واصلتُ سيري.

وعندما حان وقت الإفطار، اجتمعتُ بأصدقائي الذين التفّوا حولي كعادتهم.

رفعتُ رأسي بتعالٍ، وشعور بالنشوة يعتريني كلما أسمع كلمات الإطراء والمديح منهم، حينما أوزّع النقود بينهم، أو أشتري لكل واحد منهم ما يطلبه.

هذا الفعل يشعرني بلذة غريبة، وإني مرغوب بينهم، وإن لم أفعل هذا فسوف يتجنبني الجميع وأكون وحيدًا.

لذلك كنتُ أحرص على الذهاب إلى المدرسة وبحوزتي الكثير من المال لأوزّعه بينهم، فهكذا أضمن حبهم لي وقربهم.

 

استمررتُ هكذا حتى اشتدّ عودي، وأصبحتُ في المرحلة الجامعية.

شاب مهذّب، وسيم الطلّة، وممتاز في دراسته، هكذا كنتُ في ظاهري، لكن ما تخفيه النفوس أعظم.

 

كنتُ أسرق من زملائي دون أن يشعر بي أحد، بل وقد تطوّر الأمر معي، فصرتُ آخذ هواتفهم أيضًا كلما سنحت لي الفرصة.

الغريب في الأمر أن شعور النشوة الذي كان يجتاحني بدأ يتضاءل شيئًا فشيئًا، فأصبحتُ أشعر بالندم بعد كل عملية سرقة، وحمل ثقيل يصعب عليّ تحمّله، إلا أنني في اليوم التالي أعود مجددًا لعادتي.

 

وفي ذات صباح، كنتُ واقفًا عند محطة الحافلات، أنتظر حافلة لتوصلني إلى مقر جامعتي.

في تلك اللحظة، اخترق أذني صوت مذياع خارج من محل قريب مني، كان الشيخ يقرأ هذه الآية:

 

{ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}

 

شعرتُ بقشعريرة سرت في أنحاء جسدي، واضطربت نفسي، وضاق صدري.

لم تكن المرة الأولى التي أسمع فيها صوت القرآن بالطبع، لكن هذه المرة كان صوته مختلفًا، وكأنه يحمل بين طياته رسالة مبطنة عليّ فكّ شفرتها، هكذا شعرت.

بدأ الصوت يعلو مرددًا ذات الآية، أو ربما هكذا خُيّل لي.

سرحتُ بعيدًا، ولم يأتِ في خاطري سوى أمرٍ واحد: “السرقة”.

في ثانية، مرّ شريط ذكرياتي، وتذكرتُ جميع سرقاتي.

 

اقترب الحساب!

هل سيحاسبني الله على كل مال أكلته؟

كيف سيكون حالي وقتها؟ وبماذا سوف أجيب إذا سألني: لماذا؟

 

لماذا؟

هذا السؤال الذي لم أجد له إجابةً حتى الآن.

فليس هناك ما يدعوني للتعدّي على حقوق الآخرين، فقط شعور النشوة هو ما كان يشجّعني، لكن…

 

كيف سأردّ للناس حقوقها؟

لا أحد يعلم أني من كنتُ أسرقهم.

وقفتُ عند هذه الكلمة، وللمرة الأولى أستشعر لطف الله، فقد سترني طيلة تلك السنوات.

وكيف قابلتُ لطفه؟ بالتمادي والتعالي.

 

تبيّن لي أخيرًا خباثة نفسي.

لم أصحو من شرودي إلا بحركة الناس حولي، ها قد وصلت الحافلة، والجميع يركض ليحجز مكانه، إلا أنا.

وقفتُ مكاني، وعزمتُ أن أعود أدراجي، فقد تعكّر مزاجي، ولا أرغب في حضور محاضراتي.

أحسستُ بشيء دافئ على خدي، تحسّستُ وجهي بأنامل يدي، أمسح دموعي التي تزرف بغزارة.

أهي دموع الألم؟ أم الندم؟ أم أنه الخزي الذي ملأ فؤادي؟

 

وضعتُ قدمي خارج رصيف المشاة، أردتُ أن أقطع الطريق للجانب الآخر، لكن على حين غفلة، أتت سيارة مسرعة، لم أنتبه لقدومها.

وفي كسر من الثانية، كنتُ أفترش الأرض، والناس حولي مجتمعون.

هنا، في هذه اللحظة، بذات التردد، الصوت من جديد في أذني:

 

{ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} 

 

هل هذا يعني أنها النهاية؟

لم أشعر بعدها بشيء.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *