كتبت: منال ربيعي
كنتُ أقترب منكِ كما يقترب النيل من ضفّته عند الفجر؛ ممتلئًا بالماء والرغبة والدفء. كنتُ أحمل في صدري كلَّ الحنين الذي هرب من صدور الآخرين، وكلَّ الشوق الذي خجلوا أن يعترفوا به. كنتُ أمدُّ ذراعيّ إليكِ لا كمن يستعطف، بل كمن يعرف أن في العناق خلاصًا، وأنّ في دفء الأجساد لحظة انعتاق من وحشة الكون. في اللحظة التي انكمش فيها العالم عليكِ، كنتُ أنا أتّسع لكِ، أريدك بكل ما فيَّ من صدق ودفء وحنين، وأُصلّي أن تفتح الأرض بابًا من الرحمة بيني وبينكِ.
كنتُ أرى بردًا في عينيكِ، بردًا لا يشبه الشتاء، بل يشبه انطفاء البيوت بعد رحيل أهلها. ومع ذلك كنتُ أمدّ يديّ نحوكِ؛ كنتُ أريد أن أدفئكِ بكل ما تبقّى في صدري من دفء، أن أجعل جسدي لحافًا لكِ حين هرب الجميع. لكنّكِ كنتِ تقابلين هذا الاتّساع بجدارٍ من الرفض؛ كأنّكِ مدينة أغلقت أبوابها قبل وصولي بلحظة. كنتُ أراكِ ترتجفين في صمتكِ، لكنّكِ كنتِ تُصرّين على أن تبتعدي، تُخاتلين قلبي بابتسامةٍ باردة كخيط هواء.
ومع ذلك لم أندم. ما زلتُ أُؤمن أنّ العناق الذي لم يحدث ظلّ قائمًا في الروح، وأنّ دفئي الذي لم تلمسيه صار صلاةً خفيّةً تحرسكِ في الليل. في كلّ مساءٍ أرفع يديّ بالدعاء وأضع اسمكِ بين حروفه، كأنّي أُكمل عناقي لكِ بالسماء. كنتُ وما زلتُ أرغب فيكِ، لكنّي تعلّمت أن أحتضنكِ بالصمت حين يُغلَق بابكِ، وأن أُتمّ عناقي لكِ بالدعاء لا باليدين، لأنّ بعض العناق قدره أن يُزرع في الروح لا في الجسد.
![]()
