الكاتبه أمل سامح
انفلتت صرخةٌ طفوليةٌ حادّة، كإبرةٍ تخترقُ قلبَ المدينة؛ وقفَ وحيدًا بين ركامِ بيتٍ كان بالأمسِ مأوىً وجمالًا، وأمسى اليومَ كومةَ حجارةٍ وذكرياتٍ محروقة. حوله كلُّ شيءٍ يتهاوى: جدرانٌ انكسرت، أثاثٌ تحوّلَ إلى رمادٍ، وصمتٌ ثقيلٌ يخيّم كستارٍ أسود. لا يدري إن كانت النجاةُ ممكنةً، أم أنَّ السماءَ قد قررت أن تُسدلَ ستارَها على كلِّ شيء.
من تحت الركامِ تمتدُّ يداه المرتعشتان؛ يضغطُ بهما على أذنَيه كأنما يريدُ أن يمنعَ العالمَ من دخانِه وضجيجه، ليُطفئَ صدى القصفِ والرصاص الذي ينهشُ الهواء. ترتجفُ شفتاه، وتسيلُ الدموعُ كأنها أمواجٌ تبتلعُه من الداخل؛ دموعٌ تشبهُ غريقًا يتشبّثُ بحبلٍ وهميّ فلا يجده. يتمنى أن يراه أحدٌ — لا ليواسِيه، بل لينتشله من تحت الركام، لينقذَ نفسَه قبل أن تُفقأها اللحظةُ الأخيرة.
قلبُه يكادُ يخرجُ من ضلوعِه من شدّةِ الرعب؛ وكلُّ خاطرٍ يمرُّ في ذهنه يهمسُ بأن هذه ربما آخرُ لحظاتِه. يصرخُ، يصرخُ بصوتٍ يختلطُ بالركامِ والدخان؛ البيتُ الذي كان يومًا جميلًا صار حطامًا ورمادًا، ولا ظلَّ لأبٍ يحميه ولا أمٍّ تحتضنه — هناك فقط هو، والصراخ، والليلُ الطويلُ الذي يبدو بلا فجر.
![]()
