الكاتبة منة الله محمد
كان الحبّ يومًا يشبه الفجر؛ يأتي على استحياءٍ ثم يملأ القلب ضياءً،
لكنّ الفجر الذي عرفته رحل، وترك خلفه سماءً رمادية لا تُمطر ولا تبتسم.
أحيانًا أشعر أنّه لم يرحل حقًّا، بل تحوّل إلى طيفٍ يسكن ملامحي،
إلى حنينٍ يختبئ في صوتي حين أنطق اسمه،
إلى وجعٍ ناعمٍ لا يصرخ، لكنه لا يزول.
كنت أظنّ أن الفقد لحظة، فإذا به عُمر.
يمتدّ في الأيام كظلٍّ لا ينتهي، يتبعك حتى وأنت تحاول الهرب.
كلُّ الأماكن التي مررنا بها صارت تحمل شيئًا منه؛
في الطرقات التي عبرناها معًا،
في المقاعد التي شهدت صمتنا الطويل،
في الأغاني التي كنا نظنّها تخصّنا وحدنا.
أحيانًا أشتاق إليه كما يُشتاق إلى فصلٍ مضى،
إلى دفءٍ نعرف أنه لن يعود،
إلى ضوءٍ سكن الذاكرة ثم غاب عن العين.
وكلما حاولت أن أُقنع نفسي أن الأمور بخير،
كنت أكتشف أنّ الفقد ليس في غيابه فقط،
بل في حضوري أنا من بعده،
في هذا الفراغ الذي تركه في داخلي،
في هذا الصمت الذي لم يعد يعرف كيف يتكلّم.
ورغم كلّ ما انكسر فيَّ،
ما زلت أذكره بلطف،
كمن يُربّت على جرحٍ قديمٍ بحنوٍّ لا تفسير له.
ما زلت أدعو له سرًّا كلّما مرّ اسمه بخاطري،
كأن شيئًا في داخلي ما زال يؤمن أن الأرواح لا تُفارق حقًّا،
بل تظلّ تدور حولنا في صمت، تذكّرنا بما كان.
وأنا…
ما زلت أعيش بين الضوء والظلّ،
أتعلم كيف أُطفئ قلبي حين يشتعل بالشوق،
وأُقنع نفسي أن بعض الحكايات خُلقت لتظلّ ناقصة،
تمامًا كالقمر حين يختبئ نصفه عن الليل،
يظلّ جميلًا رغم نقصه،
ويظلّ يُؤلمك لأنك تعرف أنه لن يكتمل أبدًا.
![]()
