إعداد: الطاهر عبد المحسن ابراهيم
في زمنٍ تتشابه فيه الأصوات وتبهت فيه المعاني، يطلّ الكاتب السوري عبدالله منير كصوتٍ مختلفٍ يكتب من القلب وللقلب، مؤمنًا بأن الكلمة ليست حبرًا على ورق، بل حياة أخرى نولد فيها كلما صدقنا الحرف. بين دفء الإنسانية ووجع التجربة، يرسم ملامح عوالمه الأدبية بصدقٍ يجعل قارئه يرى نفسه بين السطور.
في هذا اللقاء، تفتح مجلة الرجوة الأدبية صفحاتها لتقترب من عوالم عبدالله منير، محاولةً أن تكتشف ملامح الإنسان خلف الكاتب، والفكرة خلف الحلم.
1. من هو عبدالله منير الإنسان قبل أن يكون كاتبًا؟ وكيف تشكّلت بداياتك مع الأدب؟
عبدالله منير شخص بسيط عاش طفولة هادئة ومريحة نوعًا ما، وشبابًا قاسيًا في ظل ما مرّت به البلاد، فعزم أن يبني من نفسه مزيجًا من اللين والقسوة لا يُعصر ولا ينكسر. لم يميّزه شيء إلا حبّه للغة العربية منذ المرحلة الإعدادية. بدأت محبّتي للعربية والشعر بقراءة الكثير من القصائد، وهاجرت في بحور الشعر مسافاتٍ ومسافات ولم أغرق. بدأت أتعمّق في العربية وأطوف حول أسرارها، فجندت نفسي لأكون حارسًا لكنوزها الكثيرة والثمينة. وما إن انفردت بنفسي قليلًا حتى نظمت بعض أبيات الشعر البسيطة والمشتتة، وعبثت فوق الورق، حاولت ولم أيأس حتى وضعت قدمي على أول دروب النظم والقصيد، وصرت أكتب القصص والسيناريوهات أيضًا. صنعت لأفكاري منزلًا من ورق، فاستقرت روحي بسلام داخله.
2. متى شعرت أن القلم أصبح طريقك الذي لا عودة عنه؟
في بداياتي كتبت كثيرًا عن معاناة البلاد وحال الناس وجور الزمان والحكام وفساد الطواغيت، وكنت في كل مرة أحتفظ بهذه الكتابات لنفسي بعيدًا عن النشر بسبب ما كنا نمرّ به من قيود وظلم. أضعت تلك الكتابات بسبب الأوضاع والنزوح، وتشتّتت أفكاري كثيرًا، لكني في كل لحظة يأس كنت أنطلق من جديد نحو أبواب اللغة خوفًا من ضياعها، بعد أن جندت نفسي لها وصنعت من نفسي جسرًا تمرّ عليه لأجيال قادمة وتترك أثرًا لي في تلك الأزمنة.
وأول نص عبّر عني كان قبل انطلاقتي الشعرية، حيث كنت أكتب الخواطر والقصص وبعض النصوص النثرية.
3. ما الذي تمثله لك الكلمة؟ هل هي خلاصٌ شخصي، أم رسالة للآخرين؟
الكلمة لها عدة أوجه بنظري؛ فهي من تُغضب وهي من تُرضي، وتساهم في الدمار والإعمار. العبرة ليست بها، بل بقائدها. هي ليست فنًّا بحدّ ذاتها، لكنها تصبح فنًا إذا أحسن استخدامها من قبل فنانٍ عالمٍ بتوظيفها.
4. كيف تنعكس سوريا – الوطن والذاكرة – على أعمالك الأدبية؟
الكتابة عن وطني سوريا الذي أحب شكلت لي هاجسًا وخوفًا في بداياتي، لأنني في كل مرة لا أجد الحروف تجرّني إلا خلف معاناةٍ وقهرٍ قبع في قلوب أهله. كانت تشدّني الحروف نحو فضح وذمّ شخصياتٍ ومناصب شغلها طواغيت في بلادنا، فكنت أحتفظ بهذه الكتابات لنفسي، أُخفيها وأمزّقها أحيانًا، وأكتم ما يؤلم منتظرًا بزوغ شمس الحرية التي نعم بها وطني الآن، والحمد لله.
والآن لدي مشاريع كتابة عن الوطن، منها سيناريو لمسلسل أحضّره يعكس بكل صدق وشفافية ما مرّت به بلادي من محنة بإذن الله، وأعمل على نظم قصيدة طويلة للوطن تفيه بعض حقه علينا. حفظ الله كل أوطان السلام.
5. في زمنٍ تكثر فيه الأصوات، كيف يحافظ الكاتب على صدقه وتفرّده؟
مهما كثرت الأصوات وتعالت، لكل كاتبٍ مدرسته وأسلوبه الذي يعبّر عنه ويعرفه جمهوره من خلاله. برأيي، الأصوات كثيرة، لكن من كل ألف صوت هناك عشرة فقط جميلة وصدّاحة تستمر طويلًا وتصنع بصمتها الخاصة.
6. ما أبرز التحديات التي واجهتها خلال مسيرتك الأدبية، وكيف تجاوزتها؟
أبرز التحديات التي واجهتها هي الحرب والنزوح والتنقّل والسفر، وتجاوزتها بفضل الله ورحمته، الذي وهبني العزيمة وروح التحدي والاستمرار وعدم اليأس أو التراجع.
7. ما الموضوعات التي تشكّل جوهر تجربتك الكتابية؟ وهل تميل أكثر إلى الحزن أم الأمل؟
عندما أختار بحرًا لأنظم عليه قصيدتي، لا أجد نفسي إلا أكتب عن الحب والفراق. مررت بتجربة عاطفية فكتبت شعرًا غزليًا، وبعدها حصل الفراق فكتبت عنه، ونظمت عدة قصائد فراقية فيها ألوان حزنٍ ومعاناةٍ كثيرة. والآن أقوم بمحاولاتٍ جدية لكتابة سلسلة قصائد دينية إن شاء الله إن قدّر الله.
8. برأيك، ما الدور الحقيقي الذي يجب أن يؤديه الكاتب في مجتمعه اليوم؟
تغيّر كثيرًا دور الكاتب العربي نظرًا لكثرة الأصوات. أصبح كل من يكتب سطرًا أو يضع حالة على وسائل التواصل يسمي نفسه كاتبًا، فاختلطت الأمور وتراجع المستوى الواجب تقديمه من الأصوات الحقيقية الفاعلة.
ولكي يظل الكاتب الحقيقي مؤثرًا، يجب دعمه والوقوف إلى جانبه وتسليط الضوء عليه، وإقامة دورات تدريبية يُنقل من خلالها خبراته للأجيال القادمة.
9. كيف ترى المشهد الأدبي العربي المعاصر؟ وهل ما زالت الكلمة قادرة على التأثير؟
المشهد العربي المعاصر ينقصه مخرج بارع لنجاحه. وبرأيي، وسائل التواصل الاجتماعي أضعفته وجعلته بين أيادٍ ليست له ولا لهـا، وحوّلته إلى مادة غيّرت بوصلته ورسالته الحقيقية الفاعلة.
10. من هم الكتّاب أو الشعراء الذين تركوا فيك أثرًا لا يُمحى؟
لم أتأثر بشاعرٍ بقدر تأثّري بالقصيدة نفسها. أنا أتأثر بقصيدةٍ معيّنة لشاعرٍ معيّن، وليس به شخصيًا أو بكل دواوينه، وكذلك الحال مع الكتّاب.
11. ماذا تقول للشباب الذين يحاولون أن يجدوا لأنفسهم موطئ قلم؟
أقول لهم: إن اليأس ليس له مكان، مهما كثرت المصاعب. لا تُهمل موهبتك، فأنت من تكتب الحروف كما تشاء، فلا تدع حروف اليأس والضعف هي من تكتبك.
12. كلمة أخيرة لقرّاء مجلة الرجوة الأدبية.
في الختام، أتشكر كل القائمين على المجلة وروادها وقرّاءها وكتّابها وشعراءها، وأقول لكل من يمرّ على كلماتي: الحب الذي نفقده يومًا بعد يوم هو سرّ وجودكم، أعيدوا الحب الصافي إلى قلوبكم، ولا تهدّدوا جنسنا بالانقراض.
كلمة الختام
في حديثه، بدا عبدالله منير صادقًا كحرفه، نقيًا كالمعنى الذي يسكنه. كتبنا عنه فكتب فينا، وبقي صدى كلماته يذكّرنا بأن الأدب الحقيقي لا يُصنع من زخرف اللغة، بل من صدق الشعور.
تتقدّم مجلة الرجوة الأدبية بجزيل الشكر والتقدير للكاتب السوري عبدالله منير على حضوره الإنساني الجميل، وعلى ما قدّمه من فكرٍ وصدقٍ وحرفٍ يليق بالروح.
![]()
