...
IMG 20251210 WA0033

بقلم / فتحى عبدالحميد.

هناك لحظات في العمر ليست كغيرها. لحظات يقف فيها الإنسان على عتبة بين ماض اكتمل. ومستقبل ينتظر حكمته ليعيد تشكيله. ومن بين هذه اللحظات يقف سن الأربعين كأعظم منعطف في حياة المرء. سن يعلن فيه العمر اكتمال العقل واعتدال الرؤية. وتبدأ فيه رحلة مراجعة الذات بصدق لا يحتمل خداعا ولا مواربة.

لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المرحلة بوضوح بالغ. فجعلها نقطة وعي وإشراق روحي.

 قال الله تعالى:

( حتى اذا بلغ اشده وبلغ أربعين سنة قال رب اوزعني أن اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي وأن اعمل صالحا ترضاه واصلح لي في ذريتي اني تبت اليك واني من المسلمين ).

انها كلمات تلخص فلسفة العمر كله. شكر على الماضي. صلاح للحاضر. اصلاح للمستقبل. وتوبة تغلق ابواب الغفلة.

ولم يكن عجيبا ان يبدأ الوحي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الاربعين. ففي هذا العمر تتهيأ النفس لتحمل اثقل الامانات. ويبلغ العقل قمة نضجه. وتستوي التجربة على سوقها. قال ابن كثير: “في الاربعين يكمل العقل ويزداد الحلم وتستحكم التجربة”. وقال الامام الشافعي: “من بلغ الاربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز للرحيل”. كلمات تنبه الى ان هذه السن ليست امتدادا للشباب. بل هي امتحان الحكمة ورصيد العمل.

اما الفلاسفة والحكماء فقد لمسوا بدورهم سر هذه المرحلة. فالفارابي رأى ان اكتمال النضج الانساني لا يتم الا بعد الاربعين. حيث يتآلف العقل المجرد مع التجربة الطويلة. وقال شوبنهاور: في الاربعين يرى الانسان العالم كما هو بلا اوهام الشباب ولا سذاجة الطفولة .

 واكد كارل يونغ ان الحياة الحقيقية تبدأ عند الاربعين. فكل ما قبلها مجرد بروفة. كلها كلمات تتقاطع مع الرؤية القرآنية. ان الاربعين مرآة صافية تكشف للانسان ذاته بصدق مهيب.

نعم. قد يسميها علماء النفس أزمة منتصف العمر . لكن المؤمن الواعي يحولها الى فرصة ذهبية. بداية جديدة لا نهاية باهتة. ففي الاربعين يتوقف الركض وراء الاوهام. ويبدأ البناء الراسخ. شكر اعمق لله. عمل اصلح للناس. وتربية اصدق للابناء. انها سن الحصاد. فما زرعته في ربيع العمر ستجني ثماره في هذا الخريف الناضج.

حتى اذا بلغ الاربعين. فليعلم المرء انه قد دخل ارضا جديدة من عمره. ارضا اثقل بالمسؤولية. اعمق في الدلالة. اقرب الى النهاية لكنها ايضا اوسع افقا لمن اراد ان يجعلها بداية. هناك في هذا العمر يسمع القلب النداء القرآني يصدح في داخله:

رب اوزعني ان اشكر نعمتك… وان اعمل صالحا ترضاه… واصلح لي في ذريتي… اني تبت اليك واني من المسلمين

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *