الكاتبه إيمان شلاش
كان الضباب يبتلع كل شيء في ذلك الصباح الشاحب، إلا هما. وقفت الفتاة بنظرة تائهة، وكأن عينيها نوافذ لبيت مهجور سكنته الريح. لم تكن تودعه هو، بل كانت تودع جزءًا من روحها تجسد أمامي على هيئة طيف شفاف، رجلٌ من غبار النجوم والذكريات، يلف ذراعه حول خصرها في مشهدٍ يكسر قوانين الفيزياء والمنطق.
ابتسامتها الباهتة كانت “شفرة” لا يفهمها إلا من اختبر فقدان من يحب وهم لا يزالون على قيد الحياة، أو ربما فقدانهم للأبد مع بقاء أثرهم كوشمٍ على الهواء. كانت يده الشفافة تلامس معطفها الداكن، وكأنه يحاول استجداء بعض الدفء من جسدها الذي أرهقه الانتظار.
همستْ بشيءٍ لم يسمعه سوى الصدى، ثم لوّحت ببطء. ظننتُ للوهلة الأولى أنني أشاهد مشهد رحيلٍ عادي في محطة قطار منسية، ولكن حين تلاشت صورة الرجل فجأة، وبقيت هي وحيدة في كادر الصورة تحتضن الفراغ، أدركتُ الحقيقة المُرّة. لم يكن الوداع كما يبدو. لم يكن هو من يرحل، بل كانت هي التي تحاول، للمرة الألف، أن تقنع عقلها الباطن بأن جسده الذي تحتضنه في مخيلتها قد صار ترابًا، وأن تلك الابتسامة لم تكن لإلقاء التحية الأخيرة، بل كانت اعتذارًا لنفسها لأنها لا تزال تتنفس… بدونه.
![]()
