...
OplusOplus_131072

 

القاهرة_18/12/2025

كتب: أحمد حمزة
طالب بكلية الألسن قسم اللغة الألمانية

يعدّ العُرف العام أحد الركائز

غير المكتوبة التي تنظّم سلوك الأفراد داخل المجتمع، إذ يمثّل مجموعة من القيم والعادات والتقاليد التي يتوافق عليها الناس ضمنيًا، فتوجّه أفعالهم وتضبط علاقاتهم دون حاجة دائمة إلى قانون أو رقابة مباشرة. وعندما يغيب هذا العرف أو يضعف حضوره، تبرز آثار اجتماعية عميقة تمسّ تماسك المجتمع واستقراره.

دخلت الفتاة المترو كما يدخل الناس: بلا بيان رسمي، ولا نية لإشعال معركة فلسفية. جلست، ووضعت رجلًا على رجل. حركة صغيرة، يومية، يفعلها نصف ركّاب المترو دون أن تكتب عنها مقالات ولا تفتح لها مناظرات.

لكن حظها العثر أوقعها مع شيخ كبير في السن ذي لهجة صعيدية، وجلباب ينطق بالهوية، يحمل على كتفيه عمرًا من العادات، وعلى لسانه يقينًا قديمًا بأن العالم ينبغي أن يسير كما عرفه هو، لا كما تغيّر. رأى الجلسة، فانفعل. لم يسأل، لم يصمت، لم يشيح بوجهه. سبّها. وكأن الجلسة كانت طعنة في شرفه.
الفتاة ابنة هذا الزمن العصبي، لم تبكِ ولم تنسحب. أخرجت هاتفها، ذاك السلاح الحديث، وصوّرته. لم تحاوره، لم تشرح له استغرابها من هجومه، أو أنها لم تقصد إهانته. نعتته بـ«الأهبل»، ورفعت المشهد إلى محكمة الإنترنت، حيث لا قضاة… بل جمهور.
وفي تلك اللحظة توقف المترو في محطة الترند.

لكن من المخطئ؟

هل هو الرجل حين ظنّ أن عادته قرآن، وأن ما تربّى عليه وُحي لا يُناقش، وأن من حقه أن يُؤدّب امرأة غريبة لأنها لم تجلس كما تجلس نساء قريته؟

أم هي الفتاة حين ترجمت دهشتها وخوفها من هجومه عليها إلى سُبة، وحين اختارت التشهير وانتهاك خصوصيته بدلا من التراجع، والتصعيد بدل النجاة؟

أم المجتمع كله، الذي انقسم فورًا:
هذا يقول «هي قليلة الأدب»، وذاك يردّ «هو المتخلف».
كأننا لا نعرف إلا الأبيض والأسود، ولا نحتمل المنطقة الرمادية التي يسكنها العقل.
أم هي المشكلة الأعمق التي باتت أزلية، ويبدو أنها لن تُحل في القريب، بين الرجل والمرأة، هو وهي، الظالم والمظلوم أو العكس!
«سي السيد» الذي يرى المرأة مشروع طاعة،
و«اللي قادرة على التحدي» التي تحول أي موقف إلى مواجهة بتصعيد قد يكون غير مبرر.

موروث ذكوري متحجر يصطدم بنسوية صاعدة عمياء

هو ابن مجتمع لم يعلّمه كيف يختلف بأدب.
وهي ابنة مجتمع لم يعلّمها كيف تدافع عن نفسها بلا قسوة أو إهانة.
كلاهما خرج إلى الشارع عاريًا من لغة الحوار، مسلّحًا فقط بما يعرف:
هو بالانفعال على كل ما هو مختلف، وهي بال مع كاميرا الهاتف.

الحقيقة المؤلمة أن المترو لم يكن سوى مرآة.
مرآة أظهرت لنا كم نحن مرتبكون:
لا نعرف متى يكون العُرف ذوقًا، ومتى يتحوّل إلى سُلطة. ولا نعرف متى تكون الجرأة شجاعة، ومتى تصبح قسوة وإهانة.

غياب العرف العام حتما سيودي بنا إلى التحلل ولا مفر من الهلاك؛ فالعرف العام ليس مجرد تقاليد موروثة، بل هو نظام اجتماعي غير معلن يحفظ التوازن بين الفرد والجماعة. وغيابه لا يعني فقط تحرّرًا من القيود، بل قد يقود إلى فوضى اجتماعية تهدّد استقرار المجتمع وتماسكه، ويزداد العبء على القوانين في كل صغيرة وكبيرة، مما قد يخلق شعورًا بالجفاف الإنساني محوّلا أي علاقة اجتماعية وإن كانت عابرة إلى علاقة قانونية بحتة.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *