بقلم / فتحى عبدالحميد
ما أكثر الوجوه التي تبتسم لك. وما أوسع الكلمات التي تقال في ودك. حتى تكاد تظن أن الدنيا بنيت على المحبة الخالصة والقلوب البيضاء. لكن. جرب أن تضع الجنيه الواحد في قلب المعادلة. وسترى كيف تتبدل الألوان. وتتهاوى الأقنعة. ويظهر الجوهر عاريا من كل زخرف.
المال محك النفوس. عبارة تبدو بسيطة. لكنها أعمق من بحر لا يدرك غوره. المال ليس أوراقا ولا أرقاما. بل فتنة تمتحن الصدق فينا. ومرآة تعكس صورة الأخلاق في أوضح تجلياتها. فحين يدخل المال بين اثنين. ينكشف المستور. من يملك الضمير ومن يبيعه. من يثبت على العهد ومن يتلاعب بالموازين.
كم من صداقة استمرت أعواما. لم يقدر عليها البعد ولا الفقر ولا الزمان. لكن دينا بسيطا أو شراكة عابرة كانت كافية لهدمها. حينها. لا تسألني عن الوفاء ولا عن الحب. فالمعاملة بالمال هي المحك الأخير الذي لا يكذب.
في التراث العربي. قالوا: “أعاملته في الدرهم والدينار؟ لا؟ إذن فأنت لا تعرفه”.
حكمة لا تصدر إلا عن تجارب عميقة أدركت أن الكلام سهل. وأن الوعد يطلق كالرياح. أما حين يثقل الميزان بالفلوس. تظهر النفوس على حقيقتها.
إن المال لا يغير الناس. بل يكشفهم. يكشف ضعفهم أمام شهوة التملك. أو صلابتهم أمام غواية الطمع. فمن صمد أمام المال. صمد أمام كل فتنة. ومن انهار أمامه. سقط في أول امتحان.
وكما يختبر الصديق بالمال. تختبر المرأة أيضا. لا في أن تدفع لها. بل في أن ترى موقفها منك في الرخاء والشدّة. في الفقر والغنى. هل كانت روحها أوسع من الجنيه أم كانت محكومة به؟ هل كانت تراك رجلا أم مجرد مصدر دخل؟ فهناك نساء إذا ضاق الحال زادهن الصبر جمالا. وأخريات إذا قل المال انقلبت المودة إلى جفاء. المرأة التي تبقى معك في زمن العسرة. لا تشتريها كنوز الدنيا. لأنها لم تبع نفسها للذهب.
فلنكن صادقين مع أنفسنا. كم منا يظن أنه يعرف الناس؟ لكن الحقيقة أن المعرفة بلا اختبار وهم جميل. فإذا أردت أن ترى صورة الإنسان بلا رتوش. لا تنظر إلى لسانه. بل إلى يده حين تقبض. وإلى قلبه حين يطمع. وإلى ضميره حين يتعامل مع المال. وإلى المرأة حين يقسو الفقر ويغيب الرخاء.
وفي النهاية. يبقى المال كالمصباح الذي يسلط ضوءه على زوايا النفوس المعتمة. فيكشف ما كنا نجهله. ويمتحن ما كنا نظنه ثابتا. فمن اجتاز امتحان المال فقد اجتاز أصعب اختبار للوفاء والأخلاق. ومن سقط فيه. فلا عجب إن سقط في كل اختبار آخر.
تذكر دائما. أن حقيقة الإنسان لا تُعرف عند الكلام. بل عند الحساب. ولا تُقاس بكثرة الوعود. بل بصدق المواقف. فالمال ليس شرا في ذاته. لكنه مرآة لا تجامل أحدا. ومن تأمل صورته فيها بصدق. عرف نفسه قبل أن يعرف غيره.
![]()
