...
IMG 20260102 WA0084(1)

الكاتب إسماعيل أبوزيد

كنتُ في السوق، وتحت سقفه الواطئ وروائح البحر المختلطة بالثلج، قرّرتُ أن أبتاع سمكًا.
توقّفت أمام صنفيّ المفضّلين:
بلطي مصري أصيل،
وبوري لذيذ،
كأنهما يقفان في عرضٍ صامت ينتظر اختياري.
حملت الأسماك واتجهت إلى الكاشير.
شاب صغير السن، لا يعلم من الدنيا إلا ميزانًا، وورقةً أصغر من أن تحتمل اسمًا كاملًا، وسكينة تقطع ورقة من ورقة.
بعد أن وزن السمك، سألني ببرود آلي:
— باسمِ مَن؟؟
توقّفت.
قادِمٌ أنا من خارج مصر، وقد نسيتُ طوابيرها، ونسيتُ لماذا يُكتب الاسم أصلًا في طابور لا يتقدّم ولا يتأخّر.
قلت له مستنكرًا:
— اكتب رقم.
نظر إليّ كمن أحدثتُ خللًا في برنامجه الداخلي.
العينان ثابتتان، والعقل واقف عند كلمة اسم.
أعاد السؤال للمرة الثالثة:
— باسمِ مَن؟؟
كنتُ في مغامرة، وقرّرت أن أستمتع بها حتى آخرها.
ابتسمتُ ساخرًا وقلت:
— اكتب… رشدي أباظة.
في تلك اللحظة، انفجرت ضحكة صافية من امرأة عجوز كانت تقف أمامه.
ضحكة خرجت من القلب، لا من الشفاه.
فهمتُ فورًا أنها التقطت السخرية، بينما ظلّ الولد يدوّن الاسم بجدّية من يسجّل تاريخًا وطنيًا.
جاء دورها.
رفع رأسه وسألها:
— باسمِ مَن يا حاجّةُ؟
قالت، دون تردّد، وبثقة نجمة:
— ما دام رشدي أباظة هنا، فأنا هند رستم.
وكتب.
كتب الاسم كما هو، بلا ذهول، بلا سؤال.
زادت الصورة عبثًا حين جاءت امرأة تصيح من آخر الطابور:
— لو سمحت! عادل سلامة على الشواية؟
تخيّلتُ الأستاذ عادل سلامة ممدّدًا على الشواية،
خارجًا للتو من التنضيف،
غارقًا في التتبيلة،
يتقلّبه العامل يمينًا ويسارًا حتى تمام الاستواء.
العجيب أنها صاحت بالأمر مرّتين.
وفي المرّة الثانية ردّ الكاشير بصوت عالٍ، حاسم، مطمئن:
— لا… ما زال يُنظَّف بالداخل.
عندها فقط، أدركتُ أنني لا أقف في سوق سمك،
بل في مسرح مفتوح،
وأن الروتين هنا لا يفهم السخرية…
لكنه يتقن أداءها.
وهكذا، خرجتُ ذلك اليوم
رشدي أباظة،
وخرجت العجوز
هند رستم،
وبقي عادل سلامة…
ينتظر دوره على الشواية.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *