الكاتبه أمل سامح
الفصل الأول: وجه لا ينعكس
لم يكن البحر يخيفني.
كنت أظنه أكثر الأشياء صدقًا في هذا العالم؛
لا يجامل، لا يكذب، لا يخفي قسوته.
لكن في ذلك المساء…
فعل شيئًا لم أستطع تفسيره.
جلستُ على الصخور كما أفعل كل يوم منذ موتها.
الكتاب بين يديّ مفتوح على الصفحة التي قرأتها ألف مرة.
صفحة الحادث.
صفحة اللحظة التي انقسم فيها عالمي إلى نصفين:
نصف عاش…
ونصف غرق معها.
الشمس كانت تغوص ببطء في الأفق،
كأنها تُسحب إلى مكان لا عودة منه.
لون السماء بين البرتقالي والنزف.
والبحر يعكسها ببرود… كمرآة عملاقة بلا روح.
خفضتُ عينيّ إلى الصفحة.
“عند الساعة السادسة تمامًا…”
توقفت.
الساعة السادسة.
رفعتُ رأسي دون وعي.
الضوء كان يتغير.
والهواء صار أثقل.
ثم رأيته.
لم يكن انعكاسي.
كان وجهها.
يتشكّل فوق سطح الماء كما لو أن البحر يلدها من جديد.
ملامحها ليست ذكرى ضبابية… بل واضحة.
أوضح مما أتذكر.
أكثر هدوءًا.
أكثر برودًا.
كانت تنظر إليّ مباشرة.
لم أتحرك.
لم أصرخ.
الحزن علّمني الصمت أمام المستحيل.
همستُ اسمها.
فاهتزّ الماء.
ابتسامتها لم تكن تلك التي أعرفها.
كانت ابتسامة شخص يعرف شيئًا لا تعرفه أنت.
ثم… تحركت شفتاها.
لكنني لم أسمع صوتًا.
وفجأة…
سقط شيء بجانبي على الصخور.
التفتُّ ببطء.
كتاب.
قديم.
مغلف بجلد داكن، كأنه اقتُطع من ظل.
لا عنوان.
لا اسم مؤلف.
فقط اسمي محفورًا على الغلاف.
بخط يدي.
تجمد الدم في عروقي.
نظرتُ إلى البحر مجددًا.
اختفت.
كأنها لم تكن.
لكن الكتاب… كان حقيقيًا.
ثقيلاً.
دافئًا… كأنه كان في يد أحدهم قبل لحظة.
فتحتُ الصفحة الأولى.
كانت فارغة.
الثانية…
فارغة.
الثالثة…
بدأ النص.
وكانت الجملة الأولى:
“جلس على الصخور ينتظر ظهورها، غير مدرك أن هذه ستكون المرة الأخيرة التي يراها فيها بهذا الشكل.”
توقف نفسي.
هذه الجملة…
تصفني الآن.
الصفحة التالية تصف البحر.
الغروب.
حتى الطريقة التي وضعت بها قدمي فوق الصخرة المكسورة.
كل شيء.
بالتفصيل.
كنت أقرأ نفسي…
في الحاضر.
ارتجفت يدي.
قلبت الصفحة التالية بسرعة.
“وعندما يصل إلى الصفحة السابعة، سيبدأ كل شيء بالانهيار.”
نظرتُ إلى رقم الصفحة.
ستة.
صوت الموج تغيّر.
أصبح أبطأ.
أثقل.
كأن الزمن نفسه يتلعثم.
همستُ:
“هذا مستحيل…”
لكن الصفحة انقلبت وحدها.
سبعة.
والجملة الأولى كانت:
“لا تثق بالنسخة التي ستقابلك الليلة.”
سمعتُ صوت خطوات خلفي.
خطوات تشبه خطواتي تمامًا.
بطيئة.
موزونة.
تعرف طريقها إلى هذا المكان.
لم ألتفت فورًا.
كنت أعرف.
بشكل لا يُفسَّر…
أنني إن التفتُّ…
لن أكون وحدي.
والبحر…
لم يعد يعكس السماء.
بل بدأ يعكس وجهين.
وجهي…
ووجه آخر يبتسم ابتسامتها نفسها.
![]()
