...
IMG 20260306 WA0018

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

على هذا الشاطئ الممتد كأفقٍ لا يحده بصر، يقف الإنسان عند الحد الفاصل بين عالمين: عالم المادة الذي تمثله حركة الأمواج الصاخبة، وعالم الروح الذي يختزله هذا المصحف المفتوح. في هذه اللحظة، يبدو البحر بصوته الرتيب وزبده المتطاير كأنه مرآة للحياة الدنيا؛ قلقة، متغيرة، لا تثبت على حال، تارةً تداعب أقدامنا بلطف، وتارةً أخرى تزمجر لتذكرنا بضآلتنا أمام عظمة القوى التي تحكمها.

لكن، في قلب هذا الضجيج الطبيعي، يبرز الكتاب العزيز كـ “مرساة” للروح. المصحف المفتوح أمامنا على سورة “هود”، ليس مجرد ورق ومداد، بل هو جدارٌ من السكينة يحمي النفس من الغرق في لجج الحيرة. السورة التي قال عنها النبي ﷺ: “شيبتني هود وأخواتها”، لما تحويه من قصص الأمم الغابرة والتحذير من مغبة الطغيان، تبدو هنا وكأنها تروي حكاية السفن التي نجت والمدن التي غابت تحت التراب، تماماً كما تبتلع الأمواج خلفنا آثار أقدام العابرين على الرمل.

تتوسط المشهد تلك الزهرة البيضاء (الزنبقة)، وكأنها “قلب القارئ” الذي اختار أن يزهر في أرض العزلة والعبادة. بياضها الناصع وسط رمال الصحراء وشحوب الشاطئ يبعث برسالة بليغة: إن الإيمان الحق هو الذي ينبت في أصعب الظروف، ليمنح المكان عطراً لا يزول بمرور الرياح. ميلان الزهرة فوق الآيات ليس عفوياً، بل هو انحناءة الخشوع أمام كلمة “الله”، هو اعتراف الجمال المخلوق بعظمة الخالق المصور. هي تخبرنا بأن النفس التي تلتصق بالوحي لا تذبل، بل تستمد نضارتها من نبع لا ينضب.

وعندما نتأمل في قوله تعالى في بداية الصفحة المفتوحة: “كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير”، ندرك أن هذا “الإحكام” هو ما يحتاجه الإنسان المعاصر الذي يعيش في عصر “السيولة” والتشتت. فبينما يضرب الموج الصخر ويغير ملامح الشاطئ في كل لحظة، تظل “الآية” ثابتة، محكمة، لا يغيرها زمن ولا يمحوها موج. اليقين الذي يمنحه هذا المشهد يكمن في التباين؛ فالرمل ناعم متفلت، والموج غادر متقلب، أما “الكلمة” فباقية راسخة كالجبال الرواسي.

إن الجلوس على شاطئ اليقين يعني أن يدرك الإنسان أن صراعات الحياة وموجاتها العاتية لن تضره ما دام يحمل في صدره “محراباً” خاصاً. في هذه اللحظة، يختفي الفارق بين الزمان والمكان، ويصبح القارئ والكون في حالة تسبيح واحدة. النسيم الذي يقلب الصفحات برفق، هو ذاته الذي يسوق السحاب، وهو ذاته الذي يداعب أوراق الزهرة. الكل في منظومة واحدة، خاضع لتدبير “الحكيم الخبير”.

في ختام هذا التأمل، ندرك أن “شاطئ اليقين” ليس مكاناً جغرافياً نبحث عنه، بل هو حالة ذهنية وروحية نصل إليها حين نفتح المصحف بقلوبنا قبل عيوننا. هي اللحظة التي نترك فيها صخب الدنيا خلف ظهورنا، كما يترك القارئ البحر وراءه، ليركز في بياض الصفحة ونور الآية. هناك، وحيث تلتقي السماء بالأرض عند الأفق البعيد، نكتشف أن الطمأنينة ليست في الهروب من البحر، بل في امتلاك “سفينة اليقين” التي تجعلنا نعبر كل الأمواج بسلام، تماماً كما استقرت سفينة نوح على الجودي، لتعلن بداية عهد جديد من الطهر والصفاء.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *