الكاتبة عاليا عجيزة
لم تكن مجرد أداة للكتابة، بل كانت نصلاً ناعماً يشق حجاب الزمن. ريشة سوداء، داكنة كليلٍ لا قمر فيه، وُجدت ملقاة فوق تلك الأجندة الجلدية القديمة التي تفوح منها رائحة “العطن” والتراب المنسي. كانت علياء تنظر إليها بريبة، تشعر بأن كل شعيرة في تلك الريشة تخبئ خلفها صرخة مكبوتة أو همسة لم تكتمل.
حين أمسكت بها للمرة الأولى، لم تشعر بملمس الريش الناعم، بل شعرت بوخزةٍ باردة سرت في عروقها، كأن التيار الكهربائي قد قرر أن يتخذ من جسدها جسراً للعبور. لم يكن حبراً ذلك الذي يقطر من سنها المدبب، بل كانت قطرات من سائل أحمر ثقيل، لزج، يرفض أن يجف فوق الورق المصفر. كان “حبر الذكريات” الذي لا يكتبه إلا من قرر أن يدفع من أنفاسه ثمناً لكل حرف.
وضعت الريشة فوق الورقة، وبدأت اليد تتحرك لا إرادياً. لم تكن علياء هي من تكتب، بل كانت الريشة هي التي تقودها في دهاليز ماضٍ ظنت أنه قد دُفن. بدأت الكلمات تتشكل كأفاعٍ جائعة تتلوى فوق السطور: “الذكرى ليست صورة نراها، بل هي قيدٌ نرتديه.”
مع كل كلمة تُكتب، كان الضوء في الغرفة يخفت، والجدران تبدأ بالتنفس بإيقاعٍ مضطرب، تماماً كإيقاع قلبها. رأت في انعكاس المرآة المكسورة بجانبها وجوهاً شاحبة، ملامحها مهزوزة كدخان في مهب الريح. كانت وجوه أولئك الذين سبقوها، أولئك الذين استسلموا لإغواء الريشة فصاروا مجرد حكايات تُروى في الملحق القديم.
“هل سأكون الذكرى رقم سبعة؟” صرخ عقلها بهذا السؤال، بينما الريشة تستمر في النزيف فوق الورق. تذكرت نظرات الجيران، شكوكهم، وحدتها القاتلة في تلك المنطقة التي تشعر فيها كأنها غريبة، كأنها جسدٌ منبوذ يحاول البحث عن حقيقة مغمورة بالدم. كل طعنة غدر، كل لحظة انكسار، كانت الريشة تسحبها من أعماقها وتغرسها في صدر الورقة، محولةً الألم الساكن إلى كيانٍ حي يصرخ.
فجأة، انقطع تدفق الحبر. ساد صمت معدني ينهش الأذنين. نظرت علياء إلى يدها، فوجدت أن الريشة قد بدأت تلتف حول معصمها، تضيق وتشتد كأنها خصلات شعر ليلى التي تحاول خنقها. السائل الأحمر الذي غرق فيه الورق بدأ يسيل من فوق المكتب ليغطي الأرضية، متداخلاً مع أصوات ضحكات مرعبة تأتي من الزوايا المظلمة.
“الذكريات لا تُمحى يا علياء.. الذكريات تُدفع أنفاساً تلو الأنفاس.” جاء الهمس بارداً كشفرة حادة من خلف أذنها. التفتت بذعر، لكنها لم تجد أحداً. الملحق كان فارغاً تماماً، إلا من رائحة الزيت العطري الرخيص وبصمة إبهام حمراء طازجة ظهرت فجأة على طرف الأجندة.
أدركت حينها أن “ريشة الذكريات” ليست وسيلة للتدوين، بل هي فخٌ محكم. هي العقد الذي لا يُفسخ، والدم الذي لا يجف. هي الأداة التي تحول صاحبها من “راوٍ” للقصة إلى “ضحية” بداخلها. سقطت الريشة من يدها، لكن الحبر لم يتوقف عن الجريان، بل بدأ يشكل ملامح وجهها هي على الورقة، وجهاً شاحباً مائلاً للاصفرار، بعينين مطفأتين ليس لهما بريق.
استندت علياء على الجدار، تشعر ببرودة الشتاء تتسلل تحت جلدها. كانت الريشة ما زالت هناك، رابضة فوق المكتب كغرابٍ ينتظر فريسته. لم يعد أمامها مهرب، فالحقيقة أشرس مما تخيلت، والعقد قد كُتب، والذكرى الآن أصبحت هي الواقع الوحيد الذي يحيط بها.
نظرت إلى الريشة للمرة الأخيرة قبل أن يبتلع الظلام الملحق تماماً، وهمست بصوتٍ يرتجف: “لقد استلمتُ الأمانة.. فمن سيكتب خاتمتي؟”
![]()
