...
IMG 20260425 WA0095

الكاتبة نوران عمرو 

 

 

في كل عام، يأتي أسبوع الأصم العربي في آخر أسبوع من شهر أبريل ليضعنا أمام حقيقة مهمة: أن التواصل لا يقتصر على السمع والكلام، بل يبدأ بالفهم. هذا الأسبوع ليس مجرد مناسبة عابرة، بل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في الطريقة التي ننظر بها إلى الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، وكيف يمكن أن نصنع مجتمعًا أكثر احتواءً وعدلًا.

 

أسبوع الأصم العربي هو مساحة مخصصة لتسليط الضوء على قضايا الصم، والتعريف بحقوقهم، وإبراز دورهم في المجتمع. وقد بدأ الاحتفال به منذ سنوات طويلة في مختلف الدول العربية، وتم تخصيص أسبوع كامل له من أجل تكثيف الجهود التوعوية والوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأفراد، لأن هذه القضية لا تحتمل التهميش أو التأجيل.

 

الهدف من هذا الأسبوع يتجاوز مجرد التوعية، فهو يسعى إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة، ونشر ثقافة لغة الإشارة، والتأكيد على أن الأشخاص الصم ليسوا أقل قدرة، بل يمتلكون إمكانات حقيقية تحتاج فقط إلى بيئة داعمة وفرص عادلة.

وقد أوضحت ذلك د. بسنت سيد، مترجمة لغة الإشارة، مؤكدة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإعاقة، بل في وعي المجتمع واستعداده للفهم والتواصل.

 

وعلى الرغم من أن هذا الأسبوع ساهم بالفعل في خلق وعي مجتمعي ملحوظ، إلا أن الطريق لا يزال طويلًا. فبناء الوعي لا يتحقق في أيام قليلة، بل يحتاج إلى عمل مستمر، وتكامل بين الأفراد والمؤسسات. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تحويل هذا الأسبوع من مجرد حدث موسمي إلى بداية لحراك دائم.

 

لا تزال هناك تحديات حقيقية تواجه الصم في حياتهم اليومية، من أبرزها ضعف انتشار لغة الإشارة، وقلة عدد المترجمين المؤهلين، وصعوبة التواصل في بعض المؤسسات والخدمات. هذه التحديات لا تعكس قدرات الأشخاص الصم، بل تعكس مدى استعداد المجتمع لاستيعابهم.

 

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك تطورًا ملحوظًا مقارنة بالماضي، حيث أصبح الوعي أكبر، والاهتمام أكثر وضوحًا. لكن هذا التقدم يظل بحاجة إلى استمرارية، حتى نصل إلى مرحلة يصبح فيها الدمج أمرًا طبيعيًا، وليس استثناءً.

 

دور المجتمع هنا لا يقل أهمية عن دور المؤسسات. فكل فرد يمكن أن يكون جزءًا من التغيير، حتى بخطوات بسيطة؛ كتعلم أساسيات لغة الإشارة، أو نشر الوعي، أو التعامل باحترام ومرونة مع الأشخاص الصم. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الوعي الفردي قبل أن يتحول إلى سلوك جماعي.

 

أما المؤسسات والإعلام، فعليهم مسؤولية أكبر في دعم هذه القضية، من خلال تقديم محتوى ميسر، وإتاحة لغة الإشارة بشكل أوسع، وتدريب الكوادر على كيفية التعامل مع الصم. فالتوعية لا يجب أن تكون موسمية، بل يجب أن تتحول إلى التزام دائم.

 

وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم:

القضية ليست أن نُسمع الصوت… بل أن نُدرك المعنى.

فالصم لا يعيشون في عالم صامت، بل في عالم لا يزال يتعلم كيف يصغي.

وحين نتعلم نحن لغة الفهم قبل أي لغة أخرى، لن يكون هناك صامت… بل مجتمع لم يعد فيه أحد مهمشًا أو غير مرئي.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *