المحررة: زينب إبراهيم
بعض الكتّاب لا يكتفون بعبور الطرق بل يجعلون من كل طريق حكاية، ومن كل محطة قصيدة، ومن كل لقاء أثرًا يبقى في الذاكرة طويلًا وبين ضجيج الحياة وصمت التأمل يطل علينا “الرحال سعيد” كصوت مختلف يحمل فلسفته الخاصة في الكتابة والحياة، ويرى في الحرف رسالة تتجاوز حدود الورق لتلامس الإنسان في جوهره.
في هذا اللقاء الخاص نحاور كاتبًا يرى أن الأسفار مدرسة، وأن الكلمات قدر، وأن الصدق هو الجسر الوحيد بين المبدع والقارئ فكان هذا الحوار الذي جاء مفعمًا بالحكمة والتأمل والبوح الصادق.
بعيدًا عن الألقاب والإنجازات، من هو الرحال؟
أنا سعيد الروح التي تقتات على الدهشة، وتجد في الأسفار دواء، وفي التدوين استقامة. لست أرقاما في سجل أو مسميات في شهادة، بل أنا تلميذ أبدي في مدرسة الحياة، أتعلم من صمت الصحراء، ومن ثرثرة النجوم، ومن حكايات الناس التي أحملها على كتفي كما يحمل المسافر زاده.
لو كان كتابك شخصًا، كيف تصفه؟
لو كان كتابي شخصًا، لكان “غامضا هادئا”، كبحر لا تستشف غوره من نظرة، ولا يثرثر إلا للذين يتقنون الإنصات بقلوبهم.
متى أدركت أن الكتابة لم تعد هواية بل أصبحت قدرًا؟
أما اللحظة التي صار فيها الحرف قدرا، فهي حين أدركت أن صمتي عن البوح هو خيانة لما أراه من جمال وقبح، فكان لزاما علي أن أكتب، ليس لأنني أريد، بل لأن الكلمات في صدري كانت تضيق بمكانها وتطلب الخلاص.
لو اختفت الكلمات فجأة، كيف ستعبر عن نفسك؟
سأعتنق لغة “العين”؛ ففي بريقها، وانكسارها، واتساعها، تروى روايات لا تكتب، وتصاغ فلسفات لا تنطق.
ما الفكرة التي تخشى كتابتها رغم إيمانك بها؟
أخاف من كتابة “الحقيقة العارية” التي قد تخدش وجدان الآخرين، ليس ضعفًا؛ بل لأن الحقيقة أحيانًا تكون حادة كالسيف، لا يملك الجميع رفاهية مواجهتها.
هل تكتب لتنجو من شيء أم لتصل إلى شيء؟
أكتب لأنجو من ضجيج العالم، ولأصل إلى “المطلق” في الإنسان، إلى تلك النقطة التي نتساوى فيها جميعا في الوجع والحلم.
إذا أردت أن تختصر فلسفة حياتك في عبارة واحدة، فماذا تقول؟
“الحياة رحلة بين أثر نتركه، ووجد نختبئ فيه”.
ما أصعب لحظة تواجهك أثناء الكتابة؟ وكيف تتعامل معها؟
هي تلك التي يخذلني فيها الوصف أمام مشهد مهيب، فأشعر أن اللغة ناقصة، وأني عاجز عن نقل روح المكان للورق. التعامل معها يكون بالصبر، أحيانا يكون الصمت أمام الجمال هو أعلى مراتب الوصف.
كيف تصف علاقتك بشخصياتك الأدبية؟
هي أصدقائي الذين أخاف عليهم من الفساد، وأحيانا تمردهم هو قمة الإبداع، لكنهم لا يخونونني؛ لأنهم ببساطة “أنا” في مرايا أخرى.
ما النص الأقرب إلى روحك؟
كل نص يمسني في عمق الكبد والروح، هو النص الذي أعده مراتي الشخصية.
هل تكتب لإرضاء صوتك الداخلي أم للوصول إلى القارئ؟
أكتب لأسمع صوتي الداخلي أولا، فإذا وصل للقارئ، فهذا فضل وتلاق في الأرواح، لا غاية مقصودة للاسترضاء.
لو عدت إلى النسخة الشابة منك، ماذا ستقول لها؟
سأقول له: “لا تتعجل الحكمة، فالألم الذي تعيشه اليوم هو الحبر الذي ستكتب به غدًا أجمل قصائدك”.
كيف تتعامل مع فترات الجفاف الإبداعي؟
لا أحاربه، بل أصادقه. هو استراحة المحارب، وهدوء البادية قبل انهمار المطر.
ما الرسالة التي تود إيصالها إلى قرائك؟
“كن أنت، ولا تخش أن يغلق العالم أبوابه في وجه حقيقتك؛ فالمنازل الحقيقية تبنى دائما في القلوب الصادقة”.
كيف تختار موضوعات كتاباتك؟
مزيج من فضول المعرفة، ونزف التجربة الشخصية، والهم الإنساني الذي لا يهدأ.
هل ترى أن الكتابة واجب أدبي واجتماعي؟
الكتابة رسالة وليست مجرد ترف؛ والتوازن بينها وبين الإبداع يكمن في “الصدق”، فكل نص صادق هو رسالة بليغة لا تحتاج إلى زينة.
ما رأيك في أسئلة هذا الحوار ومجلة الرجوة الأدبية؟
أسئلتكم كانت كالمطر على أرض عطشى، تفتح مسامات الفكر وتستخرج ما خبأته الأيام. شكرًا “مجلة الرجوة الأدبية” على هذه الوقفة التي أعادت ترتيب الوجد في داخلي.
كلمة أخيرة لمجلة الرجوة الأدبية؟
هذا هو صوت الرحال الذي نبذله للعامة، أما روابطنا وصورنا فهي “أمانة إبداعية” نحتفظ بها في صومعة الخصوصية بعيدًا عن أيدي الفضول، فليس كل ما ينشر يقرأ، وليس كل ما يرى يعاش.
![]()
