المحررة: زينب إبراهيم
هناك كتّاب يمرون عبر الصفحات مرورًا عابرًا، وهناك من يتركون بين السطور جزءًا من أرواحهم، فيشعر القارئ أن الكلمات لم تكتب بالحبر وحده بل نسجت من التجارب والأحلام والأسئلة التي ترافق الإنسان في رحلته الطويلة مع الحياة.
في هذا الحوار نقترب من الكاتب جمال فرج محمود فراج لنكتشف الإنسان الذي يقف خلف غلاف الكتاب، ونستمع إلى رؤيته للكتابة والصدق والإبداع، ونتجول معه في مدينة الحروف التي بناها من التأمل والتجربة والشغف.
إذا طُلب منك أن تعرف نفسك بعيدًا عن الألقاب والإنجازات، كيف تقدم هذا الإنسان الذي يختبئ خلف اسمك على غلاف الكتاب؟
بعيدًا عن الألقاب والإنجازات، أنا جمال فرج محمود فراج، شخص يحاول أن يترك أثرًا طيبًا أينما كان. أتعلم من أخطائي أكثر مما أفتخر بنجاحاتي، وأؤمن أن قيمة الإنسان فيما يحمله من أخلاق ومبادئ لا فيما يكتبه الناس أمام اسمه. أما الموهبة التي تختبئ خلف اسمي على غلاف الكتاب فهي قدرتي على تحويل ما أشعر به إلى كلمات تصل إلى القلوب قبل العقول.
إن كانت كتابتك مدينة، فكيف تبدو شوارعها؟ صاخبة أم هادئة؟ مضيئة أم يغمرها ضباب التأمل؟
لو كانت كتابتي مدينة لكانت مدينة يغمرها ضوءٌ خافت عند الغروب، ليست صاخبةً بالضجيج، ولا ساكنةً حدَّ الصمت، بل تنبض بحكاياتٍ تختبئ خلف كل زاوية. شوارعها طويلة تحمل آثار العابرين، تتعانق فيها مشاعر الحب والألم والأمل، وتلفها أحيانًا سحابةٌ من التأمل تجعل القارئ يتوقف قليلًا ليرى ما وراء الكلمات. وفي كل شارع نافذةٌ مفتوحة على قصة جديدة تروي أن الحياة ليست دائمًا سهلة لكنها تستحق أن تُحكى.
ما الفكرة التي تخيفك كتابتها رغم إيمانك بها؟
الفكرة التي أخاف كتابتها ليست قصة رعب ولا نهاية مأساوية، ولكن أحيانًا أخاف من فكرة الخيانة، وحتى إن كتبت عنها فلا أتعمق فيها.
هل تكتب لتنجو من شيء أم لتصل إلى شيء؟
أكتب لأجمع بين الأمرين؛ أكتب لأنجو من ازدحام الأفكار حين تضيق بي، ولأصل إلى المعنى الذي أبحث عنه بين السطور. الكتابة بالنسبة لي ليست هروبًا من الواقع، بل طريقًا لفهمه ووسيلةً أترك بها أثرًا يبقى حتى بعد أن ينتهي الكلام.
إذا اختفت الكلمات فجأة، كيف ستعبر عن نفسك؟
إذا اختفت الكلمات فسأعبر عن نفسي بأفعالي ومواقفي، فبعض المشاعر أصدق من أن تُحكى، وبعض الرسائل تصل بالصمت أكثر مما تصل بالكلام. وسأترك لملامح وجهي ونظراتي وما أقدمه للناس من خير أن تروي ما كانت الكلمات تعجز أحيانًا عن قوله.
متى شعرت لأول مرة أن الكتابة ليست هواية بل قدر؟
شعرت أن الكتابة لم تعد مجرد هواية يوم صارت ملاذي الأول قبل أي شخص، وحين وجدت أن الكلمات تطرق بابي في كل لحظة فرح أو حزن. لم أعد أكتب لأن لدي وقت فراغ، بل لأن شيئًا في داخلي لا يهدأ إلا بالحروف. عندها أدركت أن الكتابة ليست اختيارًا أمارسه متى أشاء، بل قدرًا يرافقني أينما ذهبت.
أيهما أقسى عليك: الصفحة البيضاء أم النقد القاسي؟ ولماذا؟
الصفحة البيضاء أقسى عليّ من النقد القاسي؛ لأن النقد يأتي بعد أن أكون قد حاولت وكتبت، أما الصفحة البيضاء فتضعني أمام مواجهة صامتة مع أفكاري وتجبرني على البحث عن البداية. النقد قد يعلمني شيئًا جديدًا، لكن الصفحة البيضاء تختبر قدرتي على تحويل ما أشعر به إلى كلمات.
هل تكتب بعين القارئ أم بصوتك الداخلي؟
أكتب أولًا لأرضي ذلك الصوت الداخلي الذي لا يسمعه سواي، ذلك الذي يلحّ عليّ بالكلمات حتى أتركها على الورق. لكنني لا أنسى القارئ، فأنا أريده أن يشعر بما شعرت به وأن يرى بين السطور جزءًا من الفكرة التي سكنتني. لذلك يمكنني القول إن الكتابة تبدأ من الداخل لكنها لا تكتمل إلا حين تجد طريقها إلى قلب القارئ.
ما الجملة التي كتبتها وشعرت أنها كتبتك أنت؟
الجملة التي تشبهني هي: “لكل إنسان حكاية تستحق أن تُروى”.
لو خُيرت بين الشهرة والصدق المطلق في الكتابة، ماذا ستختار؟
سأختار الصدق في الكتابة؛ لأن الشهرة قد تأتي وقد ترحل، أما الكلمات الصادقة فتبقى. لا أريد أن يعرفني الناس لكثرة ما أكتب، بل لأن ما أكتبه يلامسهم بصدق. فبالنسبة لي قيمة الكاتب ليست في عدد من يقرأ له، بل في أثر كلماته في من يقرأ.
ما السؤال الذي كنت تتمنى أن يُطرح عليك ولم يُطرح من قبل؟
السؤال هو: ما الذي تعلمته من كل شخصيات قصصك؟
هل سبق أن خانتك شخصياتك ورفضت أن تسير كما خططت لها؟
نعم، كثيرًا ما حدث ذلك. أحيانًا أرسم للشخصية طريقًا واضحًا، ثم أجدها أثناء الكتابة تتصرف بطريقة لم أخطط لها، وكأنها تكتسب روحها الخاصة وتفرض منطقها على الأحداث. في تلك اللحظات لا أشعر أنني أتحكم فيها بالكامل، بل أكتشفها خطوة بخطوة، وهذا ما يجعل الكتابة أكثر إثارة وصدقًا.
كيف تتعامل مع فترات الجفاف الإبداعي؟ هل تقاومها أم تصادقها؟
لا أحاول أن أحارب الجفاف الإبداعي دائمًا، بل أتعلم كيف أتصالح معه. أحيانًا يكون الصمت جزءًا من رحلة الكتابة، فترة تلتقط فيها الروح أنفاسها وتعيد ترتيب أفكارها. أقرأ أكثر، أراقب الحياة من حولي، وأمنح نفسي الوقت دون أن أضغط عليها، فبعض أجمل الأفكار لا تولد أثناء الكتابة بل في اللحظات التي نظن أننا ابتعدنا عنها.
إن عاد بك الزمن إلى أول نص كتبته، ماذا ستقول لذلك الكاتب المبتدئ؟
سأقول للكاتب المبتدئ: لا تخف من التجربة، ابدأ وحاول أكثر من مرة، ففي كل محاولة تصنع كاتبًا أفضل وتتقدم خطوة نحو النجاح.
أي تجربة إنسانية تراها لم تُكتب بعد كما تستحق؟
أرى أن هناك تجارب كثيرة كُتبت عنها لكنها لم تُكتب بعد كما تستحق، ومن أكثرها الإنسان حين يخوض معاركه الداخلية بصمت. تلك اللحظات التي يبتسم فيها أمام الجميع بينما يحمل في داخله خوفًا أو حزنًا أو أسئلة لا يشاركه فيها أحد. أعتقد أن هذه التفاصيل الصغيرة والخفية ما زالت تحمل الكثير من القصص التي تنتظر من يرويها بصدق كما هي، دون مبالغة أو أقنعة.
حين تطفئ المصباح بعد ليلة كتابة طويلة، ماذا يبقى في قلبك: راحة أم قلق أم فراغ جميل؟
غالبًا ما يبقى في قلبي فراغ جميل، ذلك الفراغ الذي يتركه شيء كان يثقل الروح ثم وجد طريقه إلى الورق. أشعر براحة لأنني قلت ما أردت قوله، وبشيء من القلق لأن الكلمات حين تغادرنا تبدأ حياة جديدة لا نملك السيطرة عليها، لكنه في النهاية فراغ هادئ يشبه سكون الليل بعد عاصفة طويلة.
ختامًا، ما رأيك في أسئلتنا لهذا اليوم ومجلة الرجوة الأدبية؟
أسئلتكم جميلة وعميقة لأنها تخاطب الكاتب والإنسان في الوقت نفسه. وأشكر مجلة الرجوة الأدبية على هذا الحوار الراقي، كما أتقدم بخالص الشكر والامتنان للأستاذة الصحفية زينب إبراهيم على هذا الحوار المميز وعلى أسلوبها الاحترافي. سعدت كثيرًا بهذه التجربة وأتمنى لها دوام النجاح والتوفيق.
![]()
