الكاتبه عاليا عجيزة
تأتي اللحظة التي يرحل فيها أحدهم، أو ندفعه نحن إلى الرحيل، فلا نشعر بألم الفراغ الذي تركه غيابه، بل نشعر بصدمة الفراغ الذي تركه في أعمارنا.
لا تتحدث هذه الكلمات عن لوعة الفراق أو الشوق للمغادرين، بل تتحدث عن “الوعي الساخر” الذي يصيب الإنسان عندما يكتشف أنه استثمر مشاعره، وطاقته، وسنوات عمره في المكان الخاطئ ومع الشخص الخطأ.
في العلاقات الإنسانية، أيًّا كان نوعها، نهب الآخرين أثمن ما نملك: الوقت. الوقت هو العملة الوحيدة التي لا يمكن استردادها أو تعويضها. عندما نكتشف أن هذا الوقت قد مُنح لمن لا يقدره، يتحول الحزن على الشخص إلى حسرة على الذات. يصبح الألم ليس لأنهم رحلوا، بل لأننا سمحنا لهم بالبقاء طوال تلك المدة.
فلسفة الندم على السنوات الضائعة
لماذا نتحسر على السنوات ولا نتحسر على الأشخاص؟
الأشخاص بدائلهم موجودة، أما العمر فلا بديل له؛ يمكن للإنسان أن يجد صديقًا جديدًا، أو شريكًا يعوضه، لكنه لن يجد قطارًا يعيده إلى سن العشرين أو الثلاثين ليعيد ترتيب خياراته.
اكتشاف الخديعة الذاتية:
التحسر هنا هو عتاب مبطن للذات. نحن لا نحزن لأن الآخر خذلنا فحسب، بل نحزن لأننا تجاهلنا الإشارات الحمراء، وصممنا آذاننا عن صوت حدسنا الذي كان يخبرنا منذ البداية أن هذا الطريق مسدود.
تغيير الأولويات:
في البداية، ننظر إلى العلاقة بوصفها محور الكون، ولكن مع الاستفاقة، تتقلص قيمة الشخص في أعيننا حتى نراه على حقيقته: “لا يستحق دقيقة من التفكير”. هنا ينقشع الضباب، وتظهر القيمة الحقيقية للزمن المهدور.
إنها صرخة كبرياء وعقلانية في آنٍ واحد، تعلن انتهاء سلطة ذلك الشخص على عواطفنا، وتبدأ بمحاسبة قاسية للنفس على ما مضى.
كيف تحول “حسرة السنين” إلى طاقة للولادة الجديدة؟
إن الوقوف عند أطلال السنوات الضائعة قد يكون فخًا آخر يلتهم ما تبقى من العمر. إذا كانت السنوات الماضية قد ضاعت “بسببهم”، فإن السنوات القادمة يجب أن تُعاش “لأجلنا”.
العمر الذي مر في تجربة فاشلة لم يكن ضياعًا محضًا إذا خرجت منه بوعي جديد. اعتبر تلك السنوات بمثابة “رسوم دراسية” دفعتها لجامعة الحياة؛ لتتعلم كيف تحمي نفسك، وكيف تضع حدودًا صارمة، وكيف تختار من يستحق البقاء في مساحتك الخاصة.
من السهل الآن، وأنت تمتلك الوعي الكامل، أن تلوم نفسك السابقة وتقول: “كيف كنت غبيًا إلى هذا الحد؟”. لكن الحقيقة أنك في ذلك الوقت كنت تتصرف بناءً على حسن نيتك، أو رغبتك في الإصلاح، أو حاجتك إلى الأمان. سامح نفسك القديمة؛ لأنها لم تكن تمتلك الحكمة التي تمتلكها اليوم.
المغادرون أخذوا جزءًا من وقتك، لكنهم لا يملكون الحق في صياغة مستقبلك. ابدأ فورًا في الاستثمار في ذاتك: تعلم مهارة جديدة، سافر، اهتم بصحتك، وابنِ شبكة علاقات صحية تقوم على التبادل والتقدير المشترك. العوض الحقيقي ليس في نسيان الماضي، بل في جعل الحاضر ثريًا لدرجة تنسيك الالتفات إلى الخلف.
تذكر دائمًا أن الالتفات المستمر إلى السنين التي ضاعت هو امتداد للاستنزاف الذي تسبب فيه الراحلون. إن أبلغ رد على من أضاع سنواتنا ليس كرهه أو تمني السوء له، بل هو اللامبالاة التامة، والوصول إلى القناعة التي تجعلنا ننظر إلى صورته ونقول بكل ثقة، كما في كتاب «أنت لا تستحق دقيقة من تفكيري».
اجعل من تلك الحسرة وقودًا لإنارة الطريق القادم، واعلم أن الحياة لا تنتهي بذهاب الأشخاص، بل تبدأ حقًا عندما نستعيد أنفسنا منهم.
![]()
