...
IMG 20260610 WA0016

 

 الكاتبة: عاليا عجيزة

 

من يراقب منصّات عروض الأزياء العالمية مؤخرًا، أو حتى إطلالات الشارع (Street Style) لنجوم ومؤثري منصات التواصل الاجتماعي، قد يظن للوهلة الأولى أن هناك كارثة قد حلّت بملابسهم. “الملابس المقطّعة” أو ما يُعرف في أوساط الموضة بـ (Distressed or Shredded Look) تجاوزت حدود البنطال الجينز بقطعٍ صغيرة عند الركبة، لتتحول إلى بلوزات، وفساتين، وجواكيت كاملة، تبدو وكأنها خرجت للتو من معركة شرسة أو نجا صاحبها من إعصار.

 

خيوط متدلّية، أقمشة مهترئة، وثقوب عشوائية واسعة، تجعل الزي يبدو أقرب إلى “الهلاهيل” أو ملابس المشردين. الغريب في الأمر ليس التصميم بحد ذاته، بل القيمة المالية والطبقية المرتبطة به؛ فهذه القطع التي تبدو تالفة تُباع بآلاف الدولارات، وتحمل توقيع دور أزياء عالمية كبرى.

 

يعود هذا الاتجاه في أصله النفسي والفلسفي إلى رغبة جيل الشباب في التمرّد على القوالب الجاهزة والنمطية البرجوازية الصارمة. إنها محاولة لإعادة تعريف “الجمال” من خلال القبح، وإثبات أن الأناقة يمكن أن تنبع من العشوائية والعيوب الصارخة.

 

الإكسسوارات القوطية: تشريح الموت على منصّات العرض

لم يعد الأمر مقتصرًا على القماش المهترئ، بل امتدّ ليتغلغل في عالم الإكسسوارات والحُلي، متخذًا منحنى أكثر سوداوية وغموضًا. لفترة طويلة، كانت الإكسسوارات ترتبط بالبريق، والنعومة، والأحجار الكريمة أو التصاميم الهندسية الراقية. أما اليوم، فقد تصدّرت الواجهات تصاميم مستوحاة من العالم السفلي أو ما يُعرف بالنمط القوطي (Gothic Style)، ولكن بلمسة عصرية جريئة.

 

أصبحنا نرى سلاسل وخواتم وأساور تتخذ أشكالًا صادمة:

 

الجماجم البشرية: التي لم تعد حكرًا على راكبي الدراجات النارية أو محبّي موسيقى الروك، بل أصبحت قطعة أساسية تُزيّن إطلالات كاجوال وحتى رسمية.

 

الهيكل العظمي لكف اليد: حيث تلتف العظام المعدنية حول معصم اليد وأصابعها، وكأنها امتداد تشريحي مرعب لصاحبها.

 

أشكال العقارب، والأفاعي، والأدوات الحادة الصغيرة: كشفرات الحلاقة أو الدبابيس الضخمة.

 

هذه الإكسسوارات الغريبة لا تُصنع كنوع من المزاح، بل تُصاغ من الفضة، والذهب، والنحاس المعتّق بعناية فائقة وتفاصيل دقيقة للغاية، تعكس براعة التصميم ورعبه في آنٍ واحد.

 

السؤال الذي يطرحه الكثيرون أمام هذه المشاهد: ما الذي يدفع شخصًا عاقلًا لإنفاق مبالغ طائلة ليرتدي ملابس ممزقة كالهلاهيل، ويحمل على جسده مجسّمات للموت؟

 

الإجابة تكمن في سيكولوجية التميّز ولفت الانتباه. في عصر وسائل التواصل الاجتماعي (تيك توك وإنستغرام)، أصبحت الصور النمطية والجمال المثالي أمرًا مملًا ومكررًا لا يجذب العين. الترند الغريب يمنح صاحبه “صك الاختلاف”؛ إنه صرخة بصرية تقول: “أنا هنا، أنا مختلف، وأنا لا أشبه أحدًا”.

 

علاوة على ذلك، تلعب دور الأزياء على وتر “الفضول الصادم”. فالأمر يبدأ بقطعة غريبة جدًا على منصة العرض تثير السخرية والاستنكار، ثم يرتديها نجم مشهور، وفجأة تتحول السخرية إلى فضول، والفضول إلى تقليد، حتى تصبح القطعة رمزًا للمواكبة العصرية (Trendsetter).

 

إن الموضة الغريبة، بملابسها المقطّعة وإكسسواراتها المستوحاة من الهياكل العظمية، تثبت أن الذوق البشري ليس ثابتًا، وأنه محكوم دائمًا بالرغبة في كسر القيود والمألوف. قد يرى البعض في هذه الترندات تراجعًا في الذوق العام أو جنونًا استهلاكيًا بلا معنى، بينما يراها آخرون نوعًا من الفن التعبيري الحر الذي يكسر جمود الحياة اليومية. ويبقى العزاء الوحيد في عالم الموضة المتسارع، هو أن “الترند” الذي يبدأ بصدمة، ينتهي دائمًا ليحلّ محله ترند آخر قد يكون أكثر جنونًا وغرابة.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *