...
IMG 20260618 WA0258

 

الكاتبة: عاليا عجيزة

 

كانت دائمًا تقول إن العيون نوافذ الروح، لكني عندما نظرتُ إلى عينيكِ تلك الليلة، أدركتُ كم كانت مخطئة؛ فعيناكِ لم تكونا مجرد نافذة، بل كانتا الكون بأكمله، مجرةً بنفسجية دافئة لم تطأها قدم بشر من قبل، وُلدت من سديم الغموض، وتزينت بنجوم الأمنيات العابرة.

 

تُعتبر العيون نافذةً ثاقبةً عمّا في القلوب، فمن خلالها تصل إلى أشياء وحقائق قد لا تصل إليها بالطرق المعتادة المباشرة. فكم من شخصٍ استطاع إتقان دوره ليُخفي ما في مكنونه، سواء أكان خيرًا أم شرًّا.

 

في المنتصف تمامًا، يقبع ذلك الثقب الأسود الصغير، بؤبؤ عينكِ الذي يبتلع النور ليعيد إنتاجه على شكل سحر خالص. تحيط به هالة مشعة، كأنها انفجار نجمي هادئ حدث في ثانية وتجمد إلى الأبد. الخطوط الدقيقة التي تمتد من المركز إلى الأطراف تشبه خيوطًا من الحرير البنفسجي، غُزلت بعناية فائقة لتنسج قصة روح لا تشبه أحدًا.

 

كل خط في تلك القزحية هو حكاية مخبأة؛ حكاية عن حلم قديم، وعن ضحكة نبتت في وضح النهار، أو ربما عن دمعة جفّت قبل أن تلمس الوجنتين، فتحولت إلى بلورة مضيئة تستقر في قاع نظرتكِ.

 

هذا التداخل المذهل بين درجات البنفسجي والوردي والنيلي يجعل المرء يشعر وكأنه يقف على حافة الغسق، في تلك اللحظة الساحرة التي تلتقي فيها الشمس بالليل لتبوح له بأسرارها.

 

أما تلك النقاط البيضاء الصغيرة المتناثرة، فهي ليست مجرد انعكاسات للضوء؛ إنها النجوم التي ضلّت طريقها في السماء الفسيحة، فوجدت في عينكِ موطنًا أكثر دفئًا. تتلألأ مع كل التفاتة، وتتحرك مع كل خلجة، كأنها جزيئات من غبارٍ ماسيٍّ نُثر في فضاء سحري. تمنح النظرة عمقًا يجعل من المستحيل على من يتأملها أن يشيح بنظره؛ إنها تسحبكِ إلى الداخل، إلى أعماق سحيقة من الهدوء والسكينة والدهشة.

 

وتحرس هذه المجرة البنفسجية رموش كثيفة، داكنة كأشجار ليلية تحيط ببحيرة مسحورة. تتشابك في الأعلى والأسفل، وتنحني برقة وكبرياء، وتضفي على المشهد ظلالًا من الغموض. كل رمش هو حارس وفيّ للأسرار المكنونة في الداخل، يرتفع لينير العالم بنور هذه العين، وينخفض ليحميها من قسوة الواقع.

 

إن النظر إلى هذه العين يعيد صياغة مفهوم الوقت. في حضرة هذا اللون البنفسجي، يتوقف الزمن عن الجريان، وتصبح الدقائق بلا قيمة. تندمج الأحلام بالواقع، ويصبح الخيال هو الحقيقة الوحيدة الملموسة. كيف يمكن للون واحد، بتدرجاته اللامتناهية، أن يحمل هذا الكم من العاطفة؟ إنه يحمل العتاب والوعد، والشوق والوصول، والغربة والوطن.

 

تلك هي عينكِ؛ مزيج من لوحة فنية رسمها قدرٌ عبقري، وقصيدة شعرية لم تُكتب كلماتها بعد، بل تُقرأ بالنظرات. إنها تذكرنا بأن الجمال الحقيقي ليس شيئًا نراه فحسب، بل هو مكان نضيع فيه ونعثر على أنفسنا في آنٍ واحد. عندما تضيق الأرض بما رحبت، سأظل أنظر إلى هذه المجرة الصغيرة المخبأة في عينكِ، لأتذكر أن الكون، بكل اتساعه وجماله، يمكن أن تختصره نظرة واحدة.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *