...
IMG 20260809 WA0016

 

الكاتبة رفيدة فتحي

 

بعد أن أسدل الليل أستاره، رقدت وتينُ على رمال الصحراء، وأسندت رأسها إلى كفيها الصغيرتين، تتأمل القمر الساطع بصمتٍ تام.

 

يا الله!

 

كم تعلقت بهذه الصبية، وخوفي الشديد من فقدانها ينمو مع الأيام. إنها أصبحت أنيسَ وحدتي، وكلَّ شيءٍ جميلٍ في حياتي. ورغم كثرة أعمالي التي لا تنتهي، وتحمُّلي الكثير من أجلها، إلا أن مجرد سماعي كلمة «أبي» من فمها الصغير يجعلني في كل مرة أشعر أن الحياة تضحك لي من جديد.

 

منذ أن أنقذتها من هذه الحفرة، وبينما كانت تبكي بين يدي، علمت حينها أنها قدري، لذلك لم أتردد يومًا في التضحية من أجلها.

 

إنها وتين، أي شريان القلب والحياة.

 

في صباح اليوم التالي، أتت إليَّ بزيها الجميل، وشعرها الأسود ينساب على وجنتيها الزاهرتين، وأخبرتني بصوتها العذب كشجو الهديل أنها تريد أن تذهب بعيدًا لتكتشف ما يختبئ خلف الجبال العتيقة.

 

لكنني سرعان ما وبختها بطريقةٍ قاسية، وأخبرتها عابسَ الوجه، وبصوتٍ جادٍّ، أن طلبها مرفوض.

 

تفاجأت الفتاة، فهي لم تعتد مني هذه الطريقة العنيفة، لذلك تراجعت بضع خطوات إلى الخلف دون أن تنطق بكلمة، ورقدت بعيدًا.

 

بعد قليل، ذهبت خلفها، فوجدتها غارقة في دموعها وتشهق بقوة.

 

آه، يا إلهي!

 

رغم علمي أن فتاتي تحب المغامرة، فقد أصبحت أنانيًا.

 

لذلك مسحت دموعها، وربتُّ على ظهرها بحنان، وقلت لها:

 

— اذهبي، لكن لا تتأخري، تعلمين أنني أخاف عليكِ.

 

هزت رأسها بابتسامة، وطبعت قبلة على خدي، وغادرت المكان، وقلبي ينبض خوفًا عليها.

 

وكان هذا أحمق قرارٍ اتخذته في حياتي.

 

انغمست في أعمالي، لكن بالي لم يكن مرتاحًا أبدًا، لذلك، بعد مرور ساعة، التفتُّ كثيرًا في جميع الاتجاهات، لعلي أجد طيفها، لكن هيهات! يبدو أن المغامرة شيقةٌ جدًا.

 

أو أن ابنتي قد أصابها مكروه!

 

آه، لا، لا، لا! لا أحتمل ذلك!

 

تركت ما بيدي، وصعدت فوق الجبال العتيقة مستكشفًا، لكن ليس هناك أي جديد.

 

صحت بأعلى صوت:

 

«وتيييين!»

 

حينها فزعت الطيور وحلقت بعيدًا، وفرت الحيوانات هاربة.

 

وهذا حدث منذ خمس سنوات، ومنذ ذلك اليوم وأنا في بحثٍ مستمر. لم تظهر ابنتي بعدها…

 

عزيزي القارئ، رحلت وتركت بداخلي ألف سؤال.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *