الكاتبة هالة الشيخ
الكاتبُ ابنُ خساراته ..
ليس لأن الخسارة تمنحه الكلمات، بل لأنها تنتزع منه اليقين القديم.
قبل الفقد، نظن أن الحياة تُعاش كما نريد. وبعده، نكتشف أنها تُفهم أكثر مما تُمتلك.
هناك، في المسافة بين ما أردناه وما حدث، يولد ذلك الصوت الهادئ الذي نسميه نضجًا.
ولهذا يكتب الكاتب ..
فالكتابة ليست سجلًا للوجع، وإنما الأثر الذي تتركه التجربة حين تنتهي العاصفة ويبدأ التأمل.
وحين يعود الكاتب إلى خساراته بعد أعوام، لا يتذكر ما سقط من يده بقدر ما يتذكر ما أضافته تلك السقوطات إلى روحه. فبعض ما نفقده لا يترك فراغًا، بل يفتح في وعينا مساحةً لم تكن موجودة من قبل.
لهذا تبدو بعض النصوص حيّةً على نحوٍ غريب كأن الكلمات لا تحمل حبرًا، بل تحمل عمرًا كاملًا من الأسئلة.
فالذين لم تهزهم الحياة كثيرًا يكتبون ما رأوه، أما الذين عبرتهم، فيكتبون ما فهموه.
فليس الكاتب ابنَ ما خسره فحسب، بل ابنُ الرؤية التي لم تكن لتولد لولا ذلك الفقد.
وما الكتابة في جوهرها إلا محاولةٌ للاحتفاظ بتلك الرؤية قبل أن تبتلعها الأيام، وقبل أن يعود الإنسان إلى الاطمئنان القديم الذي كان يرى
العالم من الخارج .
![]()
