مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد
مقال اليوم رقم 14
بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
هناك فرق كبير بين إنسان اختار الوحدة لأنه يريد أن يبتعد عن الضجيج وبين إنسان فرضت عليه الحياة الوحدة حتى أصبح لا يعرف كيف يعود إلى الناس
في زمن أصبحت فيه العلاقات كثيرة أصبح الشعور بالوحدة أكثر انتشارا وقد تجد الإنسان محاطا بالعشرات لكنه يشعر في داخله أنه وحيد تماما يتحدث مع الجميع لكنه لا يجد شخصا يستطيع أن يخبره بما يؤلمه ويضحك مع الجميع لكنه يعود إلى غرفته في نهاية اليوم ليواجه أفكاره وحده
ولذلك فإن الوحدة ليست دائما أن تجلس بمفردك فربما تكون وسط عائلة كبيرة وتشعر أنك غريب وربما تكون بين أصدقائك لكنك تشعر أنك غير مفهوم وربما تملك آلاف المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي ومع ذلك لا تجد شخصا واحدا تستطيع أن تتحدث معه عندما تضيق بك الحياة
لكن هناك نوعا آخر من الوحدة أصبح مهما في عصرنا الحالي وهو الوحدة التي يختارها الإنسان بإرادته
وهذه الوحدة ليست هروبا من الحياة وإنما قد تكون فرصة للإنسان حتى يعيد ترتيب نفسه ويكتشف ما يريده فعلا بعيدا عن أصوات الآخرين وضغوطهم وآرائهم
فالإنسان الذي يقضي بعض الوقت وحده يستطيع أن يسمع أفكاره بوضوح أكبر وأن يراجع أخطاءه وأن يعرف الأشخاص الذين يستحقون وجودهم في حياته وأن يكتشف أهدافا ربما نسيها بسبب انشغاله الدائم بالآخرين
المشكلة تبدأ عندما تتحول الوحدة من مساحة للراحة إلى جدار يمنع الإنسان من الحياة
هناك شخص يختار أن يبتعد قليلا حتى يستعيد توازنه وهناك شخص يقطع علاقاته كلها لأنه تعرض للأذى وهناك شخص يغلق قلبه لأنه وثق في أحدهم ثم انكسر وهناك شخص يقرر ألا يحب مرة أخرى لأنه خاف من تكرار التجربة
وهنا يجب أن نتوقف
لأن الإنسان عندما يعاقب كل الناس بسبب خطأ شخص واحد فهو في الحقيقة يعاقب نفسه
ليس كل الناس خائنين وليس كل الأصدقاء مؤقتين وليس كل العلاقات مؤذية وليس كل من يقترب منك يريد استغلالك
نعم يجب أن تتعلم من تجاربك ويجب أن تضع حدودا تحميك لكن لا تجعل الألم يحولك إلى شخص يرفض كل علاقة جميلة قبل أن تبدأ
والإنسان يحتاج إلى الآخرين مهما كان قويا فهو يحتاج إلى من يشاركه فرحته ويحتاج إلى من يسمعه في حزنه ويحتاج إلى أسرة وأصدقاء وأشخاص يشعر معهم بأنه ليس مضطرا إلى ارتداء قناع طوال الوقت
القوة الحقيقية ليست أن تقول أنا لا أحتاج إلى أحد
القوة الحقيقية أن تعرف من تحتاج إليه ومن يستحق ثقتك ومن يجب أن تضع بينك وبينه حدودا واضحة
وقد تكون الوحدة أحيانا ضرورة وليست مشكلة
عندما تكون محاطا بأشخاص يستنزفونك ويقللون منك ويجعلونك تشك في نفسك فقد يكون الابتعاد عنهم حماية وليس هروبا
لكن لا تجعل الابتعاد عن الأشخاص المؤذين يتحول إلى ابتعاد عن الحياة كلها
ابتعد عن من يؤذيك لكن اقترب ممن يحبك
ضع حدودا لمن يتجاوزها لكن لا تغلق قلبك أمام من يأتيك بالصدق
تعلم أن تجلس مع نفسك لكن لا تجعل نفسك سجنا
فالحياة تحتاج إلى توازن
تحتاج إلى لحظات تجلس فيها وحدك وتحتاج إلى لحظات تفتح فيها قلبك لمن تثق بهم
الحلول العملية والإيجابية
أولا اكتشف سبب وحدتك
اسأل نفسك هل أنا وحدي لأنني أحب الهدوء أم لأنني تعرضت للأذى أم لأنني فقدت الثقة في الناس أم لأنني أخشى أن يرفضني الآخرون
معرفة السبب هي أول خطوة في العلاج
ثانيا لا تهرب من الناس بسبب تجربة واحدة
إذا خذلك شخص فلا تجعل خيانته دليلا على أن الجميع سيخذلك
تعلم من التجربة لكن لا تجعلها تحكم على مستقبلك كله
ثالثا ابن علاقاتك ببطء
ليس مطلوبا أن تمنح ثقتك الكاملة لأي شخص من أول لقاء
ابدأ بالتعامل ثم المواقف ثم الوقت وبعدها ستعرف من يستحق أن يدخل دائرتك القريبة
رابعا اصنع وقتا خاصا لنفسك
اقرأ وتعلم وفكر ومارس هواية تحبها واخرج في مكان هادئ واجلس مع نفسك لأن الإنسان يحتاج أحيانا إلى أن يسمع نفسه بعيدا عن ضوضاء العالم
خامسا تحدث عندما تحتاج إلى الحديث
إذا كنت تمر بضيق فلا تجعل الصمت هو الحل الوحيد تحدث مع شخص تثق به فقد تكون كلمة واحدة صادقة سببا في تخفيف حمل كبير عن قلبك
سادسا لا تجعل هاتفك بديلا عن العلاقات الحقيقية
وجود مئات المحادثات لا يعني أنك لست وحيدا فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى لقاء واهتمام وسؤال ومواقف ومشاركة حقيقية
سابعا لا تخجل من طلب المساعدة
عندما تشعر أنك غير قادر على التعامل مع ما بداخلك لا تعتبر طلب المساعدة ضعفا فكل إنسان يمر بأوقات يحتاج فيها إلى شخص يساعده على رؤية الطريق بوضوح
أمثلة من الواقع
شاب تعرض للخيانة من أقرب أصدقائه فقرر ألا يثق في أحد مرة أخرى وأغلق كل الأبواب أمام الناس وبعد سنوات اكتشف أنه لم يعاقب الشخص الذي خانه وإنما حرم نفسه من علاقات جديدة كان يمكن أن تكون أجمل
وفي المقابل فتاة قررت بعد تجربة مؤلمة أن تأخذ فترة بعيدا عن العلاقات حتى تستعيد هدوءها وتفهم أخطاء الماضي وبعد فترة عادت إلى حياتها بشكل أكثر نضجا وأصبحت تعرف كيف تضع حدودا واضحة دون أن تغلق قلبها
ورجل كان يعمل طوال اليوم ويعود إلى منزله دون أن يتحدث مع أسرته حتى اكتشف بعد سنوات أن أبناءه كبروا وأن المسافة بينهم أصبحت كبيرة فقرر أن يعيد بناء علاقته بهم من خلال الجلوس معهم والاستماع إليهم وقضاء وقت حقيقي معهم
وفي موقف آخر كان شخص يعيش وسط مجموعة من الأصدقاء لكنه كان دائما يشعر بأنه غير مقبول وعندما بدأ يراجع علاقاته اكتشف أنه كان يحاول إرضاء أشخاص لا يشبهونه ولا يحترمون قيمه فاختار الابتعاد عنهم وبناء علاقات جديدة أكثر صدقا
هذه الأمثلة تؤكد أن المشكلة ليست في أن تكون وحدك أحيانا وإنما في أن تفقد القدرة على اختيار متى تكون وحدك ومع من تكون
الرؤية الإسلامية
الإسلام لم يجعل الإنسان منعزلا عن الناس بل دعا إلى التعاون والأخوة وصلة الرحم وحسن التعامل مع الآخرين
قال الله تعالى
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
سورة الحجرات الآية 13
وقال سبحانه
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
سورة آل عمران الآية 103
وتوضح هذه الآيات أن الإنسان بطبيعته يعيش مع الآخرين وأن الاختلاف بين الناس لا ينبغي أن يكون سببا في القطيعة وإنما فرصة للتعارف والتعاون على الخير
من الأحاديث النبوية الصحيحة
قال رسول الله ﷺ
المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا
متفق عليه
وقال ﷺ
لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه
متفق عليه
وهذه الأحاديث توضح قيمة العلاقات الصالحة وأن الإنسان لا يعيش لنفسه فقط وإنما يحتاج إلى أن يحب الخير للآخرين وأن يجد فيهم السند ويكون هو أيضا سندا لهم
الرؤية المسيحية
يدعو الكتاب المقدس إلى المحبة والتعاون وعدم العيش بمعزل عن الآخرين
جاء في سفر الجامعة
اثنان خير من واحد لأن لهما أجرة لتعبهما لأنه إن وقع أحدهما يقيمه رفيقه
الجامعة الإصحاح الرابع العددين التاسع والعاشر
وجاء أيضا
احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح
غلاطية الإصحاح السادس العدد الثاني
من تعاليم السيد المسيح والرسل
قال السيد المسيح
وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضا بعضكم بعضا
يوحنا الإصحاح الثالث عشر العدد الرابع والثلاثون
وقال الرسول بولس
محتملين بعضكم بعضا بالمحبة
أفسس الإصحاح الرابع العدد الثاني
وتؤكد هذه التعاليم أن الإنسان يحتاج إلى المحبة والمساندة وأن العلاقات الصادقة يمكن أن تكون سببا في القوة وقت الضعف
خاتمة
لا تخف من الوحدة إذا احتجت إليها لتعيد ترتيب حياتك ولا تخف من الناس إذا قابلت شخصا سيئا فالحياة لا تتوقف عند تجربة واحدة
اجلس مع نفسك عندما تحتاج إلى الهدوء لكن لا تحبس نفسك داخلها
ابتعد عن العلاقات المؤذية لكن لا ترفض العلاقات الجميلة
تعلم أن تقول لا لمن يستنزفك وتعلم في الوقت نفسه أن تقول نعم لمن يأتيك بالصدق والمحبة
فأحيانا تكون الوحدة دواء وأحيانا تكون سجنا والفرق بينهما هو الطريقة التي نعيش بها داخلها
ولا تجعل قلبك مقبرة للعلاقات بسبب جرح قديم
فربما يكون الشخص الذي تخاف أن تثق به اليوم هو نفسه الشخص الذي كان يمكن أن يكون سببا في أن تستعيد ثقتك بالحياة
الحياة لا تحتاج منك أن تثق بالجميع لكنها تحتاج منك ألا تفقد قدرتك على الثقة بمن يستحق
![]()
