...
IMG 20260813 WA0010

مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد

مقال اليوم رقم 15

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

المال واحد من أكثر الأشياء التي تؤثر في حياة الإنسان فهو وسيلة نحتاج إليها حتى نعيش ونعمل ونبني مستقبلنا ونساعد من نحب لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المال من وسيلة إلى غاية وعندما يصبح الإنسان مستعدا لخسارة أخلاقه وراحته وعلاقاته من أجل الحصول على المزيد

فالمال في حد ذاته ليس شرا ولا الخير في الفقر ولا الشر في الغنى وإنما الاختبار الحقيقي يكمن في طريقة تعامل الإنسان مع ما يملك

قد يكون الإنسان فقيرا لكنه أمين وقد يكون غنيا لكنه كريم وقد يكون شخص آخر لا يملك الكثير لكنه يحافظ على حقوق الناس بينما يوجد من يملك الملايين لكنه لا يشعر أن شيئا يكفيه

ولهذا فإن المال لا يكشف قيمة الإنسان بقدر ما يكشف ما بداخله

عندما يملك الإنسان المال تظهر قدرته على الاختيار هل سيستخدمه لمساعدة أسرته أم لإذلال من هم أقل منه هل سيستخدمه في بناء شيء مفيد أم في استعراض نفسه أمام الناس هل سيحافظ على حقوق الآخرين أم سيحاول استغلال حاجتهم

والأصعب أن المال قد يدخل أحيانا إلى العلاقات الإنسانية فيفسدها دون أن يشعر الإنسان

قد يتحول الصديق إلى شخص يبحث عن المصلحة وقد يتحول القريب إلى شخص لا يتذكر الآخر إلا عندما يحتاج منه شيئا وقد يصبح الزواج في نظر البعض صفقة مالية بدلا من أن يكون شراكة إنسانية وقد يقيس الإنسان قيمة الآخرين بما يملكونه بدلا من أخلاقهم

وهنا تصبح المشكلة أكبر من المال نفسه

لأن الإنسان يبدأ في تقييم نفسه من خلال ممتلكاته ويقارن نفسه بالآخرين طوال الوقت فإذا رأى شخصا يملك أكثر منه شعر بالنقص وإذا رأى شخصا يملك أقل منه شعر بالتفوق

وهذه المقارنة لا تنتهي أبدا

لأنك مهما امتلكت ستجد شخصا يملك أكثر منك وإذا جعلت سعادتك مرتبطة بما عند الآخرين فلن تشعر بالرضا مهما زاد ما لديك

ومن أخطر صور التعامل الخاطئ مع المال أن يتحول الخوف من المستقبل إلى جشع دائم

بعض الناس يجمعون المال ليس لأنهم يحتاجون إليه وإنما لأنهم يخافون من فقدانه فيعيشون طوال حياتهم في قلق رغم أن لديهم ما يكفيهم

وفي المقابل هناك من ينفق كل ما يملك دون حساب ثم يندم عندما تأتي الظروف الصعبة

لذلك فإن الحكمة ليست في جمع المال فقط وليست في إنفاقه بلا حساب وإنما في معرفة كيف تكسبه وكيف تنفقه وكيف تحافظ عليه دون أن يصبح هو المتحكم في حياتك

المال يستطيع أن يوفر لك الراحة لكنه لا يستطيع أن يشتري لك قلبا صادقا

يمكنه أن يشتري منزلا لكنه لا يستطيع أن يصنع أسرة متحابة

يمكنه أن يوفر علاجا لكنه لا يستطيع أن يمنحك الصحة دائما

يمكنه أن يجذب أشخاصا كثيرين لكنه لا يستطيع أن يضمن أن هؤلاء الأشخاص يحبونك أنت

ولهذا فإن الإنسان العاقل يعرف قيمة المال لكنه يعرف أيضا حدوده

الحلول العملية والإيجابية

أولا اجعل المال وسيلة وليس هدفا

حدد ما الذي تريد أن يحققه المال في حياتك ولا تجعل جمعه هدفا بلا نهاية

ثانيا تعلم إدارة أموالك

اكتب دخلك ومصروفاتك وحدد أولوياتك وتجنب الإنفاق العشوائي لأن المال الذي لا تتم إدارته جيدا يضيع مهما كان كثيرا

ثالثا لا تنفق لإثبات نفسك أمام الآخرين

لا تشتر شيئا فقط لأن الآخرين يملكونه ولا تدخل في ديون من أجل أن تظهر بصورة أفضل أمام الناس

رابعا اجعل لك جزءا للطوارئ

احتفظ بجزء من دخلك للمستقبل لأن الإنسان لا يعرف ماذا تخبئ له الأيام

خامسا لا تدخل المال في كل علاقة

ساعد من تحب عندما تستطيع لكن لا تجعل كل علاقة قائمة على المال لأن العلاقة التي تعتمد على المصلحة تنتهي غالبا عندما تنتهي المصلحة

سادسا لا تجعل المال سببا في ظلم الآخرين

إذا كان ربحك يحتاج إلى غش شخص أو استغلال حاجته أو أخذ حقه فخسارة هذا الربح أفضل من خسارة نفسك

سابعا تعلم العطاء

ليس المطلوب أن تكون ثريا حتى تساعد الآخرين فقد يكون العطاء كلمة أو طعاما أو مساعدة أو وقتا أو علما

أمثلة من الواقع

رجل كان يملك تجارة ناجحة لكنه كان يرفض إعطاء العاملين حقوقهم كاملة بحجة أنه يريد زيادة أرباحه ومع مرور الوقت فقد أفضل موظفيه وتراجعت تجارته لأنه اكتشف أن المال الذي جمعه على حساب الناس كلفه استقرار عمله

وفي المقابل كان صاحب مشروع آخر يحرص على إعطاء العاملين حقوقهم في موعدها ويعاملهم باحترام فزاد ولاؤهم له وأصبحوا يعملون معه بإخلاص لأنهم شعروا أن نجاح المشروع يشملهم أيضا

وشاب كان يشتري أشياء باهظة فقط ليظهر أمام أصدقائه بصورة أفضل حتى تراكمت عليه الديون وبعد فترة اكتشف أن الأشخاص الذين حاول إبهارهم لم يكونوا يهتمون بما يملك أصلا

وفي أسرة أخرى كان الأب يعلم أبناءه أن المال نعمة ومسؤولية فكان يجعلهم يدخرون جزءا من مصروفهم ويخصصون جزءا لمساعدة المحتاجين فكبروا وهم يعرفون أن قيمة المال ليست فيما يشتريه فقط وإنما فيما يستطيع أن يصنعه من خير

هذه المواقف تؤكد أن المال يمكن أن يكون وسيلة لبناء الحياة أو سببا في هدمها والفرق في النهاية يعود إلى الإنسان نفسه

الرؤية الإسلامية

الإسلام لم يحرم المال ولم يمنع الإنسان من السعي إلى الرزق بل دعا إلى العمل والكسب الحلال مع عدم جعل الدنيا أكبر هم الإنسان

قال الله تعالى

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾

سورة القصص الآية 77

وقال سبحانه

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

سورة البقرة الآية 188

وقال تعالى

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾

سورة الذاريات الآيتان 19

فالمال في الإسلام مسؤولية والإنسان محاسب على طريقة كسبه وطريقة إنفاقه وعلى الحقوق المتعلقة به

من الأحاديث النبوية الصحيحة

قال رسول الله ﷺ

لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه

رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح

وقال ﷺ

ما نقصت صدقة من مال

رواه مسلم

وتوضح هذه الأحاديث أن المال ليس مجرد ملكية شخصية بلا مسؤولية وإنما يسأل الإنسان عن مصدره وعن طريقة إنفاقه وأن العطاء لا يعني بالضرورة نقصان البركة

الرؤية المسيحية

يحذر الكتاب المقدس من أن تتحول محبة المال إلى سيطرة على قلب الإنسان

جاء في رسالة تيموثاوس الأولى

لأن محبة المال أصل لكل الشرور

تيموثاوس الأولى الإصحاح السادس العدد العاشر

وجاء في إنجيل متى

لا تقدرون أن تخدموا الله والمال

متى الإصحاح السادس العدد الرابع والعشرون

من تعاليم السيد المسيح والرسل

قال السيد المسيح

انظروا وتحفظوا من الطمع فإنه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله

لوقا الإصحاح الثاني عشر العدد الخامس عشر

وقال الرسول بولس

وأما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة

تيموثاوس الأولى الإصحاح السادس العدد السادس

وتؤكد هذه التعاليم أن المال لا ينبغي أن يصبح السيد الحقيقي على حياة الإنسان وأن القناعة والتقوى والعطاء أهم من كثرة الممتلكات

خاتمة

المال يمكن أن يكون نعمة عظيمة عندما يكون في يد إنسان يعرف قيمته ويمكن أن يتحول إلى اختبار صعب عندما يصبح هو الذي يحدد قيمة الإنسان

لا تجعل رصيدك البنكي هو مقياس نجاحك ولا تجعل ملابسك وسيارتك ومنزلك هي الطريقة التي تعرف بها نفسك

اكسب المال بالحلال وأنفقه بحكمة وساعد من تستطيع مساعدته واحفظ حقوق الناس ولا تجعل رغبتك في المزيد تدفعك إلى خسارة أخلاقك

فقد يملك الإنسان المال ويخسر نفسه وقد يخسر المال لكنه يحتفظ بكرامته

وفي النهاية لا يسأل الناس الإنسان فقط كم جمع بل ماذا فعل بما جمع ومن ساعد ومن أسعد ومن ترك خلفه أثرا طيبا

فالمال الذي يخدم الإنسان نعمة والمال الذي يحكم الإنسان عبء والإنسان العاقل هو الذي يمسك المال بيده ولا يسمح له أن يمسك قلبه

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *