مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد
مقال اليوم رقم 15
بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
المال واحد من أكثر الأشياء التي تؤثر في حياة الإنسان فهو وسيلة نحتاج إليها حتى نعيش ونعمل ونبني مستقبلنا ونساعد من نحب لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المال من وسيلة إلى غاية وعندما يصبح الإنسان مستعدا لخسارة أخلاقه وراحته وعلاقاته من أجل الحصول على المزيد
فالمال في حد ذاته ليس شرا ولا الخير في الفقر ولا الشر في الغنى وإنما الاختبار الحقيقي يكمن في طريقة تعامل الإنسان مع ما يملك
قد يكون الإنسان فقيرا لكنه أمين وقد يكون غنيا لكنه كريم وقد يكون شخص آخر لا يملك الكثير لكنه يحافظ على حقوق الناس بينما يوجد من يملك الملايين لكنه لا يشعر أن شيئا يكفيه
ولهذا فإن المال لا يكشف قيمة الإنسان بقدر ما يكشف ما بداخله
عندما يملك الإنسان المال تظهر قدرته على الاختيار هل سيستخدمه لمساعدة أسرته أم لإذلال من هم أقل منه هل سيستخدمه في بناء شيء مفيد أم في استعراض نفسه أمام الناس هل سيحافظ على حقوق الآخرين أم سيحاول استغلال حاجتهم
والأصعب أن المال قد يدخل أحيانا إلى العلاقات الإنسانية فيفسدها دون أن يشعر الإنسان
قد يتحول الصديق إلى شخص يبحث عن المصلحة وقد يتحول القريب إلى شخص لا يتذكر الآخر إلا عندما يحتاج منه شيئا وقد يصبح الزواج في نظر البعض صفقة مالية بدلا من أن يكون شراكة إنسانية وقد يقيس الإنسان قيمة الآخرين بما يملكونه بدلا من أخلاقهم
وهنا تصبح المشكلة أكبر من المال نفسه
لأن الإنسان يبدأ في تقييم نفسه من خلال ممتلكاته ويقارن نفسه بالآخرين طوال الوقت فإذا رأى شخصا يملك أكثر منه شعر بالنقص وإذا رأى شخصا يملك أقل منه شعر بالتفوق
وهذه المقارنة لا تنتهي أبدا
لأنك مهما امتلكت ستجد شخصا يملك أكثر منك وإذا جعلت سعادتك مرتبطة بما عند الآخرين فلن تشعر بالرضا مهما زاد ما لديك
ومن أخطر صور التعامل الخاطئ مع المال أن يتحول الخوف من المستقبل إلى جشع دائم
بعض الناس يجمعون المال ليس لأنهم يحتاجون إليه وإنما لأنهم يخافون من فقدانه فيعيشون طوال حياتهم في قلق رغم أن لديهم ما يكفيهم
وفي المقابل هناك من ينفق كل ما يملك دون حساب ثم يندم عندما تأتي الظروف الصعبة
لذلك فإن الحكمة ليست في جمع المال فقط وليست في إنفاقه بلا حساب وإنما في معرفة كيف تكسبه وكيف تنفقه وكيف تحافظ عليه دون أن يصبح هو المتحكم في حياتك
المال يستطيع أن يوفر لك الراحة لكنه لا يستطيع أن يشتري لك قلبا صادقا
يمكنه أن يشتري منزلا لكنه لا يستطيع أن يصنع أسرة متحابة
يمكنه أن يوفر علاجا لكنه لا يستطيع أن يمنحك الصحة دائما
يمكنه أن يجذب أشخاصا كثيرين لكنه لا يستطيع أن يضمن أن هؤلاء الأشخاص يحبونك أنت
ولهذا فإن الإنسان العاقل يعرف قيمة المال لكنه يعرف أيضا حدوده
الحلول العملية والإيجابية
أولا اجعل المال وسيلة وليس هدفا
حدد ما الذي تريد أن يحققه المال في حياتك ولا تجعل جمعه هدفا بلا نهاية
ثانيا تعلم إدارة أموالك
اكتب دخلك ومصروفاتك وحدد أولوياتك وتجنب الإنفاق العشوائي لأن المال الذي لا تتم إدارته جيدا يضيع مهما كان كثيرا
ثالثا لا تنفق لإثبات نفسك أمام الآخرين
لا تشتر شيئا فقط لأن الآخرين يملكونه ولا تدخل في ديون من أجل أن تظهر بصورة أفضل أمام الناس
رابعا اجعل لك جزءا للطوارئ
احتفظ بجزء من دخلك للمستقبل لأن الإنسان لا يعرف ماذا تخبئ له الأيام
خامسا لا تدخل المال في كل علاقة
ساعد من تحب عندما تستطيع لكن لا تجعل كل علاقة قائمة على المال لأن العلاقة التي تعتمد على المصلحة تنتهي غالبا عندما تنتهي المصلحة
سادسا لا تجعل المال سببا في ظلم الآخرين
إذا كان ربحك يحتاج إلى غش شخص أو استغلال حاجته أو أخذ حقه فخسارة هذا الربح أفضل من خسارة نفسك
سابعا تعلم العطاء
ليس المطلوب أن تكون ثريا حتى تساعد الآخرين فقد يكون العطاء كلمة أو طعاما أو مساعدة أو وقتا أو علما
أمثلة من الواقع
رجل كان يملك تجارة ناجحة لكنه كان يرفض إعطاء العاملين حقوقهم كاملة بحجة أنه يريد زيادة أرباحه ومع مرور الوقت فقد أفضل موظفيه وتراجعت تجارته لأنه اكتشف أن المال الذي جمعه على حساب الناس كلفه استقرار عمله
وفي المقابل كان صاحب مشروع آخر يحرص على إعطاء العاملين حقوقهم في موعدها ويعاملهم باحترام فزاد ولاؤهم له وأصبحوا يعملون معه بإخلاص لأنهم شعروا أن نجاح المشروع يشملهم أيضا
وشاب كان يشتري أشياء باهظة فقط ليظهر أمام أصدقائه بصورة أفضل حتى تراكمت عليه الديون وبعد فترة اكتشف أن الأشخاص الذين حاول إبهارهم لم يكونوا يهتمون بما يملك أصلا
وفي أسرة أخرى كان الأب يعلم أبناءه أن المال نعمة ومسؤولية فكان يجعلهم يدخرون جزءا من مصروفهم ويخصصون جزءا لمساعدة المحتاجين فكبروا وهم يعرفون أن قيمة المال ليست فيما يشتريه فقط وإنما فيما يستطيع أن يصنعه من خير
هذه المواقف تؤكد أن المال يمكن أن يكون وسيلة لبناء الحياة أو سببا في هدمها والفرق في النهاية يعود إلى الإنسان نفسه
الرؤية الإسلامية
الإسلام لم يحرم المال ولم يمنع الإنسان من السعي إلى الرزق بل دعا إلى العمل والكسب الحلال مع عدم جعل الدنيا أكبر هم الإنسان
قال الله تعالى
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
سورة القصص الآية 77
وقال سبحانه
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
سورة البقرة الآية 188
وقال تعالى
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾
سورة الذاريات الآيتان 19
فالمال في الإسلام مسؤولية والإنسان محاسب على طريقة كسبه وطريقة إنفاقه وعلى الحقوق المتعلقة به
من الأحاديث النبوية الصحيحة
قال رسول الله ﷺ
لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه
رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
وقال ﷺ
ما نقصت صدقة من مال
رواه مسلم
وتوضح هذه الأحاديث أن المال ليس مجرد ملكية شخصية بلا مسؤولية وإنما يسأل الإنسان عن مصدره وعن طريقة إنفاقه وأن العطاء لا يعني بالضرورة نقصان البركة
الرؤية المسيحية
يحذر الكتاب المقدس من أن تتحول محبة المال إلى سيطرة على قلب الإنسان
جاء في رسالة تيموثاوس الأولى
لأن محبة المال أصل لكل الشرور
تيموثاوس الأولى الإصحاح السادس العدد العاشر
وجاء في إنجيل متى
لا تقدرون أن تخدموا الله والمال
متى الإصحاح السادس العدد الرابع والعشرون
من تعاليم السيد المسيح والرسل
قال السيد المسيح
انظروا وتحفظوا من الطمع فإنه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله
لوقا الإصحاح الثاني عشر العدد الخامس عشر
وقال الرسول بولس
وأما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة
تيموثاوس الأولى الإصحاح السادس العدد السادس
وتؤكد هذه التعاليم أن المال لا ينبغي أن يصبح السيد الحقيقي على حياة الإنسان وأن القناعة والتقوى والعطاء أهم من كثرة الممتلكات
خاتمة
المال يمكن أن يكون نعمة عظيمة عندما يكون في يد إنسان يعرف قيمته ويمكن أن يتحول إلى اختبار صعب عندما يصبح هو الذي يحدد قيمة الإنسان
لا تجعل رصيدك البنكي هو مقياس نجاحك ولا تجعل ملابسك وسيارتك ومنزلك هي الطريقة التي تعرف بها نفسك
اكسب المال بالحلال وأنفقه بحكمة وساعد من تستطيع مساعدته واحفظ حقوق الناس ولا تجعل رغبتك في المزيد تدفعك إلى خسارة أخلاقك
فقد يملك الإنسان المال ويخسر نفسه وقد يخسر المال لكنه يحتفظ بكرامته
وفي النهاية لا يسأل الناس الإنسان فقط كم جمع بل ماذا فعل بما جمع ومن ساعد ومن أسعد ومن ترك خلفه أثرا طيبا
فالمال الذي يخدم الإنسان نعمة والمال الذي يحكم الإنسان عبء والإنسان العاقل هو الذي يمسك المال بيده ولا يسمح له أن يمسك قلبه
![]()
