...
IMG 20260813 WA0009

مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد

مقال اليوم رقم 14

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

 

 

هناك فرق كبير بين إنسان اختار الوحدة لأنه يريد أن يبتعد عن الضجيج وبين إنسان فرضت عليه الحياة الوحدة حتى أصبح لا يعرف كيف يعود إلى الناس

في زمن أصبحت فيه العلاقات كثيرة أصبح الشعور بالوحدة أكثر انتشارا وقد تجد الإنسان محاطا بالعشرات لكنه يشعر في داخله أنه وحيد تماما يتحدث مع الجميع لكنه لا يجد شخصا يستطيع أن يخبره بما يؤلمه ويضحك مع الجميع لكنه يعود إلى غرفته في نهاية اليوم ليواجه أفكاره وحده

ولذلك فإن الوحدة ليست دائما أن تجلس بمفردك فربما تكون وسط عائلة كبيرة وتشعر أنك غريب وربما تكون بين أصدقائك لكنك تشعر أنك غير مفهوم وربما تملك آلاف المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي ومع ذلك لا تجد شخصا واحدا تستطيع أن تتحدث معه عندما تضيق بك الحياة

لكن هناك نوعا آخر من الوحدة أصبح مهما في عصرنا الحالي وهو الوحدة التي يختارها الإنسان بإرادته

وهذه الوحدة ليست هروبا من الحياة وإنما قد تكون فرصة للإنسان حتى يعيد ترتيب نفسه ويكتشف ما يريده فعلا بعيدا عن أصوات الآخرين وضغوطهم وآرائهم

فالإنسان الذي يقضي بعض الوقت وحده يستطيع أن يسمع أفكاره بوضوح أكبر وأن يراجع أخطاءه وأن يعرف الأشخاص الذين يستحقون وجودهم في حياته وأن يكتشف أهدافا ربما نسيها بسبب انشغاله الدائم بالآخرين

المشكلة تبدأ عندما تتحول الوحدة من مساحة للراحة إلى جدار يمنع الإنسان من الحياة

هناك شخص يختار أن يبتعد قليلا حتى يستعيد توازنه وهناك شخص يقطع علاقاته كلها لأنه تعرض للأذى وهناك شخص يغلق قلبه لأنه وثق في أحدهم ثم انكسر وهناك شخص يقرر ألا يحب مرة أخرى لأنه خاف من تكرار التجربة

وهنا يجب أن نتوقف

لأن الإنسان عندما يعاقب كل الناس بسبب خطأ شخص واحد فهو في الحقيقة يعاقب نفسه

ليس كل الناس خائنين وليس كل الأصدقاء مؤقتين وليس كل العلاقات مؤذية وليس كل من يقترب منك يريد استغلالك

نعم يجب أن تتعلم من تجاربك ويجب أن تضع حدودا تحميك لكن لا تجعل الألم يحولك إلى شخص يرفض كل علاقة جميلة قبل أن تبدأ

والإنسان يحتاج إلى الآخرين مهما كان قويا فهو يحتاج إلى من يشاركه فرحته ويحتاج إلى من يسمعه في حزنه ويحتاج إلى أسرة وأصدقاء وأشخاص يشعر معهم بأنه ليس مضطرا إلى ارتداء قناع طوال الوقت

القوة الحقيقية ليست أن تقول أنا لا أحتاج إلى أحد

القوة الحقيقية أن تعرف من تحتاج إليه ومن يستحق ثقتك ومن يجب أن تضع بينك وبينه حدودا واضحة

وقد تكون الوحدة أحيانا ضرورة وليست مشكلة

عندما تكون محاطا بأشخاص يستنزفونك ويقللون منك ويجعلونك تشك في نفسك فقد يكون الابتعاد عنهم حماية وليس هروبا

لكن لا تجعل الابتعاد عن الأشخاص المؤذين يتحول إلى ابتعاد عن الحياة كلها

ابتعد عن من يؤذيك لكن اقترب ممن يحبك

ضع حدودا لمن يتجاوزها لكن لا تغلق قلبك أمام من يأتيك بالصدق

تعلم أن تجلس مع نفسك لكن لا تجعل نفسك سجنا

فالحياة تحتاج إلى توازن

تحتاج إلى لحظات تجلس فيها وحدك وتحتاج إلى لحظات تفتح فيها قلبك لمن تثق بهم

الحلول العملية والإيجابية

أولا اكتشف سبب وحدتك

اسأل نفسك هل أنا وحدي لأنني أحب الهدوء أم لأنني تعرضت للأذى أم لأنني فقدت الثقة في الناس أم لأنني أخشى أن يرفضني الآخرون

معرفة السبب هي أول خطوة في العلاج

ثانيا لا تهرب من الناس بسبب تجربة واحدة

إذا خذلك شخص فلا تجعل خيانته دليلا على أن الجميع سيخذلك

تعلم من التجربة لكن لا تجعلها تحكم على مستقبلك كله

ثالثا ابن علاقاتك ببطء

ليس مطلوبا أن تمنح ثقتك الكاملة لأي شخص من أول لقاء

ابدأ بالتعامل ثم المواقف ثم الوقت وبعدها ستعرف من يستحق أن يدخل دائرتك القريبة

رابعا اصنع وقتا خاصا لنفسك

اقرأ وتعلم وفكر ومارس هواية تحبها واخرج في مكان هادئ واجلس مع نفسك لأن الإنسان يحتاج أحيانا إلى أن يسمع نفسه بعيدا عن ضوضاء العالم

خامسا تحدث عندما تحتاج إلى الحديث

إذا كنت تمر بضيق فلا تجعل الصمت هو الحل الوحيد تحدث مع شخص تثق به فقد تكون كلمة واحدة صادقة سببا في تخفيف حمل كبير عن قلبك

سادسا لا تجعل هاتفك بديلا عن العلاقات الحقيقية

وجود مئات المحادثات لا يعني أنك لست وحيدا فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى لقاء واهتمام وسؤال ومواقف ومشاركة حقيقية

سابعا لا تخجل من طلب المساعدة

عندما تشعر أنك غير قادر على التعامل مع ما بداخلك لا تعتبر طلب المساعدة ضعفا فكل إنسان يمر بأوقات يحتاج فيها إلى شخص يساعده على رؤية الطريق بوضوح

أمثلة من الواقع

شاب تعرض للخيانة من أقرب أصدقائه فقرر ألا يثق في أحد مرة أخرى وأغلق كل الأبواب أمام الناس وبعد سنوات اكتشف أنه لم يعاقب الشخص الذي خانه وإنما حرم نفسه من علاقات جديدة كان يمكن أن تكون أجمل

وفي المقابل فتاة قررت بعد تجربة مؤلمة أن تأخذ فترة بعيدا عن العلاقات حتى تستعيد هدوءها وتفهم أخطاء الماضي وبعد فترة عادت إلى حياتها بشكل أكثر نضجا وأصبحت تعرف كيف تضع حدودا واضحة دون أن تغلق قلبها

ورجل كان يعمل طوال اليوم ويعود إلى منزله دون أن يتحدث مع أسرته حتى اكتشف بعد سنوات أن أبناءه كبروا وأن المسافة بينهم أصبحت كبيرة فقرر أن يعيد بناء علاقته بهم من خلال الجلوس معهم والاستماع إليهم وقضاء وقت حقيقي معهم

وفي موقف آخر كان شخص يعيش وسط مجموعة من الأصدقاء لكنه كان دائما يشعر بأنه غير مقبول وعندما بدأ يراجع علاقاته اكتشف أنه كان يحاول إرضاء أشخاص لا يشبهونه ولا يحترمون قيمه فاختار الابتعاد عنهم وبناء علاقات جديدة أكثر صدقا

هذه الأمثلة تؤكد أن المشكلة ليست في أن تكون وحدك أحيانا وإنما في أن تفقد القدرة على اختيار متى تكون وحدك ومع من تكون

الرؤية الإسلامية

الإسلام لم يجعل الإنسان منعزلا عن الناس بل دعا إلى التعاون والأخوة وصلة الرحم وحسن التعامل مع الآخرين

قال الله تعالى

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾

سورة الحجرات الآية 13

وقال سبحانه

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

سورة آل عمران الآية 103

وتوضح هذه الآيات أن الإنسان بطبيعته يعيش مع الآخرين وأن الاختلاف بين الناس لا ينبغي أن يكون سببا في القطيعة وإنما فرصة للتعارف والتعاون على الخير

من الأحاديث النبوية الصحيحة

قال رسول الله ﷺ

المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا

متفق عليه

وقال ﷺ

لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه

متفق عليه

وهذه الأحاديث توضح قيمة العلاقات الصالحة وأن الإنسان لا يعيش لنفسه فقط وإنما يحتاج إلى أن يحب الخير للآخرين وأن يجد فيهم السند ويكون هو أيضا سندا لهم

الرؤية المسيحية

يدعو الكتاب المقدس إلى المحبة والتعاون وعدم العيش بمعزل عن الآخرين

جاء في سفر الجامعة

اثنان خير من واحد لأن لهما أجرة لتعبهما لأنه إن وقع أحدهما يقيمه رفيقه

الجامعة الإصحاح الرابع العددين التاسع والعاشر

وجاء أيضا

احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح

غلاطية الإصحاح السادس العدد الثاني

من تعاليم السيد المسيح والرسل

قال السيد المسيح

وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضا بعضكم بعضا

يوحنا الإصحاح الثالث عشر العدد الرابع والثلاثون

وقال الرسول بولس

محتملين بعضكم بعضا بالمحبة

أفسس الإصحاح الرابع العدد الثاني

وتؤكد هذه التعاليم أن الإنسان يحتاج إلى المحبة والمساندة وأن العلاقات الصادقة يمكن أن تكون سببا في القوة وقت الضعف

خاتمة

لا تخف من الوحدة إذا احتجت إليها لتعيد ترتيب حياتك ولا تخف من الناس إذا قابلت شخصا سيئا فالحياة لا تتوقف عند تجربة واحدة

اجلس مع نفسك عندما تحتاج إلى الهدوء لكن لا تحبس نفسك داخلها

ابتعد عن العلاقات المؤذية لكن لا ترفض العلاقات الجميلة

تعلم أن تقول لا لمن يستنزفك وتعلم في الوقت نفسه أن تقول نعم لمن يأتيك بالصدق والمحبة

فأحيانا تكون الوحدة دواء وأحيانا تكون سجنا والفرق بينهما هو الطريقة التي نعيش بها داخلها

ولا تجعل قلبك مقبرة للعلاقات بسبب جرح قديم

فربما يكون الشخص الذي تخاف أن تثق به اليوم هو نفسه الشخص الذي كان يمكن أن يكون سببا في أن تستعيد ثقتك بالحياة

الحياة لا تحتاج منك أن تثق بالجميع لكنها تحتاج منك ألا تفقد قدرتك على الثقة بمن يستحق

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *