الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يكن الصوت الذي سمعه في الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجرًا هو أكثر شيء أخافه
الأكثر رعبًا كان أنه كان يعرف صاحب الصوت
لأن ذلك الشخص مات منذ سبعة أيام
كان آدم يعيش وحده في شقة قديمة ورثها عن عمه
شقة تقع في الطابق الرابع من عمارة قديمة هادئة
لم يكن يحب المكان في البداية
لكن إيجارها لم يكن موجودًا أصلًا
وكانت الشقة ملكًا للعائلة
لذلك قرر أن يعيش فيها
كانت الشقة واسعة
لكنها كانت تحمل شيئًا غريبًا
رائحة رطوبة قديمة
وممر طويل يصل بين غرفة النوم وغرفة المعيشة
وفي نهاية الممر
كان هناك باب صغير مغلق دائمًا
سأل عمه عنه قبل وفاته
فقال له
متفتحوش
ضحك آدم وقال
ليه
رد عمه
علشان مفيش حاجة وراه تستاهل
لم يفهم آدم
وبعد وفاة عمه
نسي الأمر
حتى جاءت الليلة السابعة
كان آدم جالسًا أمام التلفاز
والساعة اقتربت من الثالثة فجرًا
سمع طرقًا على الباب
ثلاث طرق
ثم سكت
نظر إلى الساعة
ثلاثة وسبع عشرة دقيقة
عاد الطرق
ثلاث طرق أخرى
اقترب آدم من الباب
قال
مين
لم يرد أحد
نظر من العين السحرية
الممر الخارجي كان فارغًا
فتح الباب قليلًا
لم يجد أحدًا
أغلقه
وفي اللحظة التي استدار فيها
سمع صوتًا خلفه
آدم
تجمد
الصوت كان صوت عمه
الصوت نفسه
بنفس النبرة
بنفس الطريقة التي كان يناديه بها
استدار ببطء
لم يكن هناك أحد
قال آدم
عمي
لم يرد
ثم سمع الطرق مرة أخرى
لكن هذه المرة
لم يكن على الباب الخارجي
كان في نهاية الممر
ثلاث طرق
من خلف الباب المغلق
تراجع آدم
وتذكر كلام عمه
متفتحوش
اقترب من الباب
ثم سمع صوت عمه بوضوح
آدم
أنا لسه هنا
تراجع بسرعة
وفي تلك اللحظة
انطفأت الكهرباء
غرق البيت في الظلام
ثم سمع شيئًا يتحرك داخل الممر
خطوات بطيئة
تقترب
خطوة
ثم خطوة
ثم خطوة
حتى توقفت أمام باب غرفته
لم يستطع آدم التنفس
ظل واقفًا في الظلام
ثم سمع صوتًا هامسًا
افتح
لم يفتح
مرت دقيقة
ثم اختفى الصوت
عادت الكهرباء
نظر إلى الممر
كان فارغًا
لكن باب الغرفة الصغيرة
كان مفتوحًا
رغم أنه متأكد أنه كان مغلقًا
اقترب منه
لم يدخل
فقط نظر إلى الداخل
كانت الغرفة مظلمة
لكن شيئًا لفت انتباهه
على الأرض
كانت هناك آثار أقدام مبللة
تبدأ من داخل الغرفة
وتنتهي عند سريره
تراجع آدم
ثم نظر إلى قدميه
لم يكن هناك ماء
لكن آثار الأقدام كانت جديدة
وفي منتصف الليل
سمع هاتفه يرن
رقم مجهول
رد
لم يتكلم أحد
قال
مين
سمع تنفسًا
ثم صوت عمه
متفتحش الباب اللي تحت
قال آدم
عمي إنت فين
سكت الصوت
ثم قال
هو وصل
انقطع الاتصال
في صباح اليوم التالي
ذهب آدم إلى المقابر
وقف أمام قبر عمه
ظل ينظر إلى الاسم
ثم قال
أنا سمعت صوتك امبارح
كان هناك رجل يعمل في المقابر بالقرب منه
نظر إليه
وقال
صوت مين
قال
عمي
تغير وجه الرجل
وقال
مستحيل
سأله آدم
ليه
قال الرجل
أنت كنت موجود يوم الدفن
قال آدم
أيوه
قال الرجل
إحنا دفناه
سكت آدم
ثم قال
أنا عارف
اقترب الرجل منه
وقال
عمك قبل ما يموت كان بييجي هنا كل ليلة
آدم
ليه
قال
كان بيقف قدام قبر قديم جدًا
قبر محدش بيزوره
سأله
قبر مين
قال الرجل
محدش عارف
الاسم ممسوح
لكن عمك كان بيقول إنه مش قبر إنسان
عاد آدم إلى البيت
لم يستطع إخراج كلام الرجل من رأسه
فتح الأدراج القديمة
بدأ يبحث عن أي شيء يخص عمه
وجد دفترًا
غلافه أسود
فتحه
كانت الصفحات مليئة بالتواريخ
وكل تاريخ بجانبه وقت
الثالثة وسبع عشرة دقيقة
وفي الصفحة الأخيرة
كانت هناك جملة واحدة
إذا سمعت طرقًا ثلاث مرات
لا تفتح
لأن الذي يطرق
ليس خلف الباب
بل خلفك
سقط الدفتر من يده
وفي اللحظة نفسها
سمع
ثلاث طرق
هذه المرة
من خلفه
لم يلتفت
ظل واقفًا
ثم سمع صوت عمه
أنا قلتلك متفتحش
قال آدم
أنا مش هفتح
ضحك الصوت
وقال
أنت فاهم غلط
ثم شعر آدم بأنفاس باردة خلف أذنه
وقال الصوت
الباب مش هو اللي لازم تخاف منه
استدار آدم بسرعة
لم يجد أحدًا
لكنه وجد شيئًا على الحائط
آثار أصابع سوداء
كأن شخصًا خرج لتوه من الجدار
اتصل آدم بالشرطة
شرح لهم ما يحدث
جاء ضابطان
فتشا الشقة
لم يجدا شيئًا
حتى دخلا الممر
توقف أحدهما أمام الباب الصغير
وقال
الباب ده وراه إيه
قال آدم
مش عارف
حاول الضابط فتحه
لكن المفتاح لم يتحرك
فجأة
سمع الجميع طرقًا من الداخل
ثلاث طرق
نظر الضابط إلى آدم
ثم قال
إنت سامع
آدم لم يرد
ثم جاء الطرق مرة أخرى
لكن هذه المرة
أربعة طرق
ثم خمسة
ثم بدأ الطرق بسرعة
حتى أصبح كأنه عشرات الأيدي تضرب الباب
تراجع الضابطان
وفجأة سكت كل شيء
قال أحدهما
هنرجع بكرة ومعانا حد من الإدارة
وغادرا
بقي آدم وحده
لكن قبل أن يغادر الضابط الأخير
التفت إليه وقال
لو سمعت أي صوت الليلة
متردش
ثم أغلق الباب
في الثالثة وسبع عشرة دقيقة
عاد الطرق
لكن آدم لم يتحرك
سمع صوت أمه
آدم
افتح يا ابني
تجمد
أمه كانت ميتة منذ خمس سنوات
ثم سمع صوت أخته
آدم افتح
ثم صوت عمه
افتح
ثم أصوات كثيرة
أصوات أشخاص يعرفهم
وأشخاص لا يعرفهم
كلهم ينادونه
كلهم يريدون منه أن يفتح
حتى جاء صوت امرأة لا يعرفها
وقالت
إحنا مش عايزين نخرج
إحنا عايزينك تدخل
تراجع آدم
حتى اصطدم بالحائط
ثم نظر إلى نهاية الممر
وجد الباب مفتوحًا
لكن الغرفة لم تعد غرفة صغيرة
كانت ممرًا طويلًا
طويلًا جدًا
ينزل إلى الأسفل
وكانت هناك عشرات الأبواب على الجانبين
ومن داخل كل باب
كان هناك شخص يطرق
ثلاث طرق
ثم يسكت
ثلاث طرق
ثم يسكت
اقترب آدم خطوة
فرأى أول باب
كان مكتوبًا عليه اسم عمه
ثم الباب الثاني
اسم أمه
ثم الثالث
اسم أخته
صرخ
مريم
لكن لم يكن اسم أخته فقط
كان هناك باب آخر
عليه اسمه
آدم
اقترب منه ببطء
وضع يده على المقبض
ثم سمع صوت عمه
متفتحوش
لكن الصوت هذه المرة لم يأت من خلفه
جاء من داخل الباب
قال آدم
إنت مين
رد الصوت
أنا اللي كنت قبلك
ثم بدأ المقبض يتحرك وحده
فتح الباب قليلًا
نظر آدم إلى الداخل
فرأى نفسه
واقفًا في غرفة مظلمة
يرتدي نفس ملابسه
لكن وجهه كان شاحبًا
وعيناه سوداوان
رفع ذلك الشيء رأسه
وقال
اتأخرت
تراجع آدم
لكن الباب أغلق خلفه
سمع صوتًا من الممر
أصوات كثيرة
تقول
واحد دخل
ثم بدأت الأبواب كلها تفتح
خرجت منها أشكال بشرية
وجوه بلا ملامح
أجساد نحيلة
وأقدام مبللة
كلهم يتحركون نحوه
ركض آدم
لكن الممر لم يعد ينتهي
كلما ركض
ظهر باب جديد
وكل باب عليه اسم شخص يعرفه
ثم ظهر باب أخير
لم يكن عليه اسم
بل كان عليه تاريخ
تاريخ اليوم
فتح الباب
وجد غرفة شقته
وجد نفسه جالسًا أمام التلفاز
لكن المشهد كان قبل أسبوع
قبل موت عمه
رأى عمه يدخل الشقة
يقف أمام الباب الصغير
ثم يفتح الباب
صرخ آدم
متفتحوش
لكن عمه لم يسمعه
دخل عمه
ثم أغلق الباب
وبعد ثوان
ظهر شخص خلفه
شخص يشبه آدم
تمامًا
اقترب من عمه
ثم انطفأت الصورة
عاد النور
وظهر آدم نفسه
واقفًا في الغرفة
ينظر إلى الكاميرا
وقال
لما تشوف التسجيل ده
اعرف إن عمك ما ماتش
هو بس خرج
وأنا دخلت مكانه
ارتجف آدم
ثم سمع صوتًا خلفه
إنت كمان لازم تخرج
استدار
كان عمه واقفًا
لكن وجهه كان مختلفًا
وجهه شاحب
وعيناه غائرتان
قال آدم
إنت عمي
قال
كنت
ثم أضاف
دلوقتي دوري أرجع
فجأة
اختفت الغرفة
ووجد آدم نفسه في شقته
كان الفجر قد بدأ
ركض نحو الباب الخارجي
فتح الباب
خرج إلى السلم
ركض إلى أسفل
ثم توقف
سمع صوت خطوات خلفه
ثلاث خطوات
ثم سكت
التفت
لم يجد أحدًا
ركض مجددًا
وصل إلى الشارع
كان الناس يتحركون
السيارات تمر
والحياة طبيعية
تنفس الصعداء
ثم أخرج هاتفه
وجد عشرات المكالمات الفائتة
كلها من رقم مجهول
فتح آخر رسالة
كانت تحتوي على صورة
صورة له
وهو نائم على سريره
تجمد
نظر إلى الصورة
ثم نظر إلى نافذة شقته
كانت الستارة تتحرك
مع أن النافذة مغلقة
عاد هاتفه إلى الرنين
رقم مجهول
رد دون أن يتكلم
سمع صوت نفسه
إنت فاكر إنك خرجت
سكت
قال الصوت
إنت خرجت من البيت
لكن البيت
هو اللي دخل جواك
ثم انقطع الاتصال
نظر آدم إلى يده
وجد عليها آثار أصابع سوداء
نفس العلامات التي كانت على الحائط
بدأت العلامات تتحرك ببطء
من يده إلى ذراعه
ثم إلى صدره
وفي اللحظة التي رفع فيها عينيه
رأى العمارة
كانت كل نوافذها مضاءة
رغم أن الوقت كان قبل شروق الشمس
وفي كل نافذة
كان هناك شخص واقف
يراقبه
ثم ظهرت أمه في إحدى النوافذ
ثم أخته
ثم عمه
ثم ظهر هو
في آخر نافذة
وكان يبتسم
رفع آدم رأسه
وصرخ
لكن الناس في الشارع لم ينظروا إليه
كأن أحدًا لم يسمع صوته
ثم جاءه الهمس من داخل صدره
ثلاث طرق
ثم سكت
ثلاث طرق أخرى
ثم صوت عمه
دلوقتي
أنت بقيت الباب
وفي اللحظة التالية
انطفأت كل أنوار العمارة
وبقيت نافذة واحدة مضيئة
نافذة غرفة آدم
ومن خلف الزجاج
ظهر شخص يشبهه تمامًا
ابتسم
ثم طرق الزجاج ثلاث مرات
ومنذ ذلك اليوم
كل من كان يمر أمام العمارة في الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجرًا
كان يسمع طرقًا قادمًا من إحدى النوافذ
ثلاث طرق فقط
ثم صوت شاب يهمس
ماتفتحش
لأن اللي بيطرق
مش عايز يدخل
هو عايز يبدلك
![]()
