...
IMG 20260818 WA0002

 

الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يكن يعلم أن بعض الانتظارات لا تنتهي عندما يتأخر أصحابها

 

بل تظل واقفة في المكان نفسه

 

تقاوم السنوات

 

وتحفظ ملامح الشخص الذي وعد بالعودة

 

حتى لو تغير كل شيء من حولها

 

وكانت هناك فتاة تقف كل مساء في آخر محطة للقطار

 

لا تنتظر قطارًا

 

ولا تنتظر مسافرًا عابرًا

 

كانت تنتظر شخصًا واحدًا فقط

 

الشخص الذي قال لها ذات ليلة

 

سأعود إليك مهما أخذتني الحياة

 

كان اسمه يوسف

 

وكانت هي مريم

 

بدأت قصتهما في الجامعة

 

في صباح عادي جدًا

 

كانت مريم تجلس وحدها في ساحة الجامعة

 

تقرأ كتابًا

 

وكان يوسف يمر بجانبها كل يوم دون أن يتحدث معها

 

حتى جاء يوم سقط فيه الكتاب من يدها

 

فانحنى يوسف والتقطه

 

وقال لها مبتسمًا

 

أعتقد أن الكتاب كان يحاول أن يلفت انتباهي إليكي

 

ضحكت مريم

 

وقالت

 

أو يمكن كان بيحاول يهرب مني

 

قال

 

لو كان بيهرب منك فأنا هخليه يرجع

 

لم تكن تعرف أن تلك الجملة البسيطة

 

ستصبح بداية قصة ستغير حياتهما

 

بدأ الحديث بينهما

 

ثم أصبحت الصدفة عادة

 

والعادة انتظارًا

 

والانتظار حبًا

 

كان يوسف يحب تفاصيلها الصغيرة

 

يحب صوتها عندما تضحك

 

ويحب غضبها عندما تتظاهر بأنها غاضبة

 

ويحب الطريقة التي تنظر بها إلى السماء عندما تتحدث عن أحلامها

 

وكانت مريم تقول له دائمًا

 

أنا مش عايزة حاجة كبيرة من الدنيا

 

كان يسألها

 

عايزة إيه

 

تقول

 

بيت صغير

 

وشباك كبير

 

وحد يحبني بصدق

 

فيقول

 

والجزء الأخير ده موجود

 

فتضحك

 

وتقول

 

متأكد

 

فيقترب منها ويقول

 

متأكد لدرجة تخوف

 

كانت أيامهما بسيطة

 

لكنها كانت بالنسبة لهما أجمل من كل شيء

 

كانا يجلسان ساعات طويلة في محطة القطار القديمة القريبة من الجامعة

 

لم تكن المحطة مكانًا جميلًا

 

لكنها كانت مكانهما

 

كان يوسف يقول لها

 

عارفة ليه بحب المحطة دي

 

تقول

 

ليه

 

يقول

 

علشان كل الناس هنا بتمشي وتوصل

 

وأنا الوحيد اللي مش عايز أمشي من جنبك

 

كانت تبتسم

 

وفي إحدى الليالي

 

أخرج يوسف من جيبه خاتمًا بسيطًا

 

نظرت إليه مريم بدهشة

 

قال

 

مش خطوبة

 

ضحكت وقالت

 

أمال إيه

 

قال

 

وعد

 

وعد بإيه

 

قال

 

إن اليوم اللي أقدر فيه أطلب إيدك رسمي

 

هكون واقف قدام بيتكم

 

وهقول لوالدك إني مش جاي آخد بنته

 

أنا جاي أبني معاها بيت

 

احتضنته مريم

 

وقالت

 

وأنا مستنياك

 

مرت الأيام

 

ثم جاء اليوم الذي حصل فيه ما لم يتوقعاه

 

تلقى يوسف عرض عمل في مدينة بعيدة

 

كان العرض مهمًا جدًا

 

وكان يمكن أن يغير حياته

 

لكنه رفض

 

عندما أخبر مريم

 

قالت له

 

روح

 

نظر إليها

 

قال

 

أروح

 

قالت

 

آه

 

قال

 

وإنتي

 

قالت

 

هستناك

 

قال

 

ولو اتأخرت

 

قالت

 

هستناك

 

قال

 

ولو الحياة خدتني

 

قالت

 

هرجعك

 

ابتسم

 

وقال

 

إذن هروح وأنا مطمن

 

سافر يوسف

 

وفي البداية

 

كان يتصل بها كل يوم

 

يحكي لها عن عمله

 

عن المكان الجديد

 

عن الغرفة التي يسكن فيها

 

عن أحلامه

 

وكانت مريم تنتظر مكالمته كل ليلة

 

ثم بدأت المكالمات تقل

 

ليس لأنه تغير

 

بل لأن ظروف العمل أصبحت أصعب

 

وكان يوسف يعمل لساعات طويلة

 

ثم وقع حادث في الشركة

 

أصيب فيه إصابة شديدة

 

دخل المستشفى

 

وأصبح هاتفه بعيدًا عنه

 

أما مريم

 

فكانت تنتظر اتصاله

 

يومًا

 

ثم يومين

 

ثم أسبوعًا

 

حاولت الاتصال

 

لم يرد

 

بدأ الخوف يدخل قلبها

 

بحثت عن مكان عمله

 

حاولت الوصول إلى أي شخص يعرفه

 

لكنها لم تجد إجابة واضحة

 

مرت أسابيع

 

ثم أشهر

 

ولم يصلها شيء

 

بدأت عائلتها تطلب منها أن تنسى

 

قال لها والدها

 

يا بنتي الحياة لازم تكمل

 

قالت

 

بس هو وعدني

 

قال

 

يمكن الظروف منعته

 

قالت

 

هو لو قدر يرجع هيرجع

 

لكن السنوات بدأت تمر

 

ومريم لم تتزوج

 

لم يكن لأنها لم تجد من يتقدم إليها

 

بل لأنها كانت تشعر أن قلبها ما زال في مكان آخر

 

في آخر محطة

 

كانت تذهب إليها كل أسبوع

 

تجلس على المقعد القديم

 

وتنظر إلى القطارات

 

كلما توقف قطار

 

كان قلبها يقف معه

 

تنظر إلى الوجوه

 

تبحث عنه

 

وفي كل مرة

 

لا تجده

 

مرت سنة

 

ثم الثانية

 

ثم الخامسة

 

ثم الثامنة

 

ثم العاشرة

 

وفي كل عام

 

كانت تعود إلى المحطة في نفس اليوم

 

وفي نفس الوقت

 

حتى أصبحت بعض العاملات في المحطة يعرفنها

 

وكانت إحداهن تسألها

 

لسه مستنياه

 

فتبتسم مريم

 

وتقول

 

هو قال لي إنه راجع

 

وفي الناحية الأخرى

 

كان يوسف يعيش حياة مختلفة تمامًا

 

بعد الحادث

 

فقد جزءًا من ذاكرته

 

لم يكن يتذكر كل شيء

 

كان يعرف اسمه

 

ويعرف بعض التفاصيل

 

لكن السنوات الأولى بعد الحادث كانت ضبابًا

 

انتقل إلى مدينة أخرى للعلاج

 

ثم بدأ يعمل من جديد

 

وكان يشعر دائمًا أن هناك شخصًا ينقصه

 

شيئًا لا يعرف اسمه

 

كان يحتفظ بخاتم في صندوق صغير

 

لم يكن يعرف لماذا يحتفظ به

 

وفي إحدى الليالي

 

فتح الصندوق

 

وجد الخاتم

 

وكان معه ورقة صغيرة

 

مكتوب عليها

 

مريم

 

لم يعرف من هي

 

لكنه شعر بشيء غريب

 

كأن الاسم فتح بابًا داخل قلبه

 

بدأ يبحث

 

بحث في الأوراق القديمة

 

وفي حساباته القديمة

 

وفي كل شيء يمكن أن يقوده إليها

 

حتى وجد صورة

 

كانت تجمعهما في محطة القطار

 

عندما رأى الصورة

 

انهارت كل الذكريات داخله دفعة واحدة

 

تذكر ضحكتها

 

تذكر صوتها

 

تذكر وعده

 

تذكر آخر مرة قال لها فيها

 

هستناك

 

بكى

 

وقال

 

أنا وعدتها

 

ثم بدأ رحلة العودة

 

لم يكن يعرف هل ستسامحه

 

هل ما زالت تنتظره

 

هل تزوجت

 

هل نسيت

 

لكن شيئًا واحدًا كان يعرفه

 

أنه يجب أن يعود

 

حتى لو وجد حياتها قد تغيرت

 

فهو على الأقل يريد أن يعتذر

 

وصل إلى المدينة بعد سنوات طويلة

 

ذهب إلى الجامعة

 

لم يجدها

 

ذهب إلى بيتها القديم

 

وجد أن الأسرة انتقلت

 

سأل أحد الجيران

 

فقال له

 

مريم

 

آه

 

لسه عايشة هنا في المدينة

 

قال يوسف

 

فين

 

قال

 

بتروح المحطة القديمة كل فترة

 

تجمد يوسف

 

ثم شكره

 

وذهب

 

وصل إلى المحطة قبل موعدها

 

جلس بعيدًا

 

مرت الدقائق

 

ثم ظهرت

 

كانت أكبر سنًا

 

لكنها كانت هي

 

نفس الملامح

 

نفس الطريقة في المشي

 

نفس النظرة

 

جلست على المقعد

 

وأخرجت من حقيبتها صورة قديمة

 

ظل يوسف ينظر إليها

 

ثم اقترب

 

قال بصوت مرتجف

 

مريم

 

رفعت رأسها

 

تجمدت

 

لم تستطع الكلام

 

وقف أمامها

 

وقال

 

أنا رجعت

 

سقطت الصورة من يدها

 

قالت

 

يوسف

 

قال

 

أيوه

 

اقتربت منه

 

لكنها توقفت

 

وكأنها كانت تخاف أن تلمسه

 

قالت

 

إنت فين كل السنين دي

 

قال

 

غصب عني

 

قالت

 

أنا استنيتك

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

كل سنة

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

كل يوم

 

أخفض رأسه

 

وقال

 

وأنا كل يوم كنت بحاول أفتكرك

 

ثم حكى لها كل شيء

 

عن الحادث

 

عن المستشفى

 

عن فقدان الذاكرة

 

عن السنوات التي عاشها بعيدًا وهو لا يعرف كيف يصل إليها

 

بكت مريم

 

وقالت

 

كنت فاكرة إنك اخترت متجيش

 

قال

 

عمري ما اخترت أبعد عنك

 

قالت

 

كنت فاكرة إنك نسيتني

 

قال

 

نسيت اسمي أحيانًا

 

لكن قلبي عمره ما نسيكي

 

ضحكت وسط دموعها

 

وقالت

 

إنت لسه بتقول كلامك القديم

 

قال

 

علشان أنا لسه بحبك

 

ساد الصمت

 

ثم أخرج يوسف الخاتم

 

وقال

 

أنا اتأخرت

 

لكن الوعد لسه موجود

 

مد يده

 

وقال

 

لو لسه في مكان ليا

 

أبدأ معاكي من جديد

 

نظرت إلى الخاتم

 

ثم إليه

 

وقالت

 

أنا ما كنتش مستنياك علشان ألومك

 

قال

 

أمال

 

قالت

 

كنت مستنياك علشان لما ترجع

 

أقولك إنك وصلت

 

ثم وضعت يدها في يده

 

وأكملت

 

أنا تعبت من الانتظار

 

فقال

 

وأنا تعبت من الغياب

 

قالت

 

إذن متبعدش تاني

 

قال

 

أبدًا

 

وفي اليوم التالي

 

ذهب يوسف إلى بيت مريم

 

وقف أمام والدها

 

وقال له

 

أنا اتأخرت عشر سنين

 

لكنني جاي النهارده أطلبها من جديد

 

نظر إليه والدها طويلًا

 

ثم قال

 

هي اللي تقرر

 

خرجت مريم

 

نظرت إلى يوسف

 

وقالت

 

أنا موافقة

 

وبعد أشهر قليلة

 

تزوجا

 

لكن يوسف لم ينس المحطة

 

ولا مريم

 

وفي أول يوم بعد زواجهما

 

أخذها إلى هناك

 

جلسا على المقعد نفسه

 

قال لها

 

فاكرة المكان

 

قالت

 

ده المكان اللي قضيت فيه عشر سنين من عمري

 

قال

 

وأنا قضيت عشر سنين بدور عليه

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

الطريق اللي يرجعني ليكي

 

ابتسمت

 

ثم وضعت رأسها على كتفه

 

وقال لها

 

أنا عندي أمنية

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

كل ما أكون مسافر

 

متستنيش

 

ضحكت

 

وقالت

 

ليه

 

قال

 

علشان أنا المرة دي

 

هخليكي معايا

 

وفي المساء

 

غادرا المحطة معًا

 

ولأول مرة

 

لم تكن مريم تقف هناك وحدها

 

لم تكن تنتظر قطارًا

 

ولم تكن تبحث بين الوجوه

 

كانت تسير بجوار الرجل الذي انتظرته عشر سنوات

 

وكان يمسك يدها بقوة

 

كأنه يخشى أن تأخذه الحياة منها مرة أخرى

 

وقبل أن يغادرا

 

نظر يوسف إلى المحطة

 

وقال

 

تفتكري لو الزمن رجع

 

كنتِ هتستني

 

نظرت إليه مريم

 

وقالت

 

لو الزمن رجع

 

هحبك من الأول

 

ثم ابتسمت

 

وأضافت

 

بس المرة دي

 

مش هسيبك تسافر لوحدك

 

ضحك يوسف

 

وقال

 

وأنا مش هسافر أصلًا

 

ثم احتضنها

 

وفي تلك اللحظة

 

تحرك آخر قطار في المحطة

 

وغادر المكان

 

بينما بقيا هما واقفين

 

لا ينتظران أحدًا

 

لأنهما أخيرًا

 

وصلا إلى بعضهما

 

وبعد عشر سنوات من الانتظار

 

اكتشفت مريم أن أجمل شيء في الحب

 

ليس أن تجد الشخص الذي تحبه

 

بل أن يعود إليك

 

بعد أن ظننت أن الانتظار انتهى

 

وتكتشف أن قلبه

 

كان طوال كل تلك السنوات

 

يحاول أن يجد الطريق إليك

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *