الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
مرت عدة أيام أخرى منذ أن بدأ أحمد في تجهيز الشقة
وكانت الشقة تتغير يومًا بعد يوم
لكنها لم تكن قد وصلت بعد إلى الصورة التي كان أحمد ومنة يتخيلانها
فقد كان أمامهما وقت طويل
وكان أحمد يعرف ذلك جيدًا
لم يكن يريد أن يستعجل
ولا أن يدخل نفسه في التزامات أكبر من قدرته
وكان دائمًا يقول إن المهم أن كل شيء يتم بهدوء
وأن الشقة تكتمل خطوة بعد خطوة
وفي إحدى الليالي
وبعد أن انتهى أحمد من يوم طويل في عمله
اتصل بمنة
قال
ألو
قالت
أيوه يا أحمد
قال
عاملة إيه
قالت
كويسة
إنت عامل إيه
قال
الحمد لله
وبعدين قال
عايز أقولك حاجة
قالت
إيه
قال
أنا كنت في الشقة النهارده
قالت
وصلت لإيه
ابتسم أحمد
وقال
أهو ده السؤال اللي كنت مستنيه
قالت
طب قولي
قال
تعالي أقولك واحدة واحدة
قالت
أنا سامعاك
قال
أول حاجة الحوائط
قالت
خلصت
قال
جزء كبير منها خلص
والألوان اللي اخترناها بدأت تظهر
قالت
بجد
قال
آه
وأنا بصراحة كل ما أشوف اللون بفتكر كلامك
قالت
وأنا كنت خايفة اللون يطلع مش حلو
قال
لا
طلع حلو جدًا
قالت
طب الصالة
قال
الصالة لسه فيها شغل بسيط
قالت
يعني إيه
قال
لسه محتاجين نكمل بعض التفاصيل
والإضاءة كمان لسه
قالت
طب أوضة النوم
قال
دي بدأت تاخد شكلها
قالت
اللون
قال
زي ما اخترتي
قالت
حلو
قال
حلو جدًا
قالت
طب المطبخ
قال
المطبخ قرب
لسه فيه حاجات محتاجة تتظبط
لكن بدأ يبان شكله
قالت
والحمام
قال
لسه شوية
قالت
يعني لسه بدري
قال
آه
وبصراحة أنا مش مستعجل
قالت
ليه
قال
عشان أنا عايز كل حاجة تتعمل صح
مش عايز أخلص بسرعة وبعدها ألاقي حاجة ناقصة
سكتت منة لحظة
ثم قالت
طب فاضل قد إيه
قال
لسه قدامنا وقت
قالت
قد إيه
قال
ممكن حوالي سنة
قالت
سنة كاملة
قال
تقريبًا
قالت
إنت شايفها كتير
قال
لا
قالت
ليه
قال
عشان أنا شايف إن السنة دي مش وقت ضايع
دي سنة بنجهز فيها حياتنا
ابتسمت منة
وقالت
أنا عجبني تفكيرك
قال
أنا مش عايز أضغط نفسي
ولا عايز أخليكي تحسي إننا لازم نخلص بسرعة
قالت
وأنا أصلًا مش مستعجلة
قال
عارف
قالت
أنا أهم حاجة عندي إن كل حاجة تتم وإحنا مرتاحين
قال
وده اللي أنا عايزه
ثم قال
تعرفي أكتر حاجة عجبتني النهارده
قالت
إيه
قال
إني وقفت في الصالة
وبصيت حواليا
وحسيت إنها بقت شبه البيت فعلًا
قالت
رغم إنها لسه مش خلصانة
قال
آه
قالت
إزاي
قال
عشان أنا بدأت أتخيلك فيها
سكتت منة
ثم قالت
وأنا بدأت أتخيل نفسي فيها من دلوقتي
قال
تخيلي
قالت
بتخيل الصبح
قال
إيه اللي بيحصل الصبح
قالت
إنت راجع من الشغل
قال
وأنتي
قالت
مستنياك
قال
طب هتكوني عاملة إيه
قالت
هكون تعبانة
قال
ليه
قالت
عشان هكون لسه صاحيه
قال
مش المفروض إنتي اللي هتكوني نايمة وأنا اللي راجع
قالت
معلش
أنا هفضل مستنياك
ضحك أحمد
وقال
خلاص
وأنا أول ما أدخل
قالت
تعمل إيه
قال
أدور عليكي
قالت
هتلاقيني
قال
عارف
ثم سكت الاثنان
قبل أن تعود منة وتسأل
طب إيه اللي لسه ناقص
قال أحمد
لسه في حاجات كتير
قالت
زي إيه
قال
لسه بعض التشطيبات
ولسه المطبخ محتاج شوية حاجات
والحمام
وفي حاجات في الكهرباء والإضاءة
ولسه الأبواب والتفاصيل الأخيرة
قالت
يعني الشقة لسه في أول الطريق
قال
مش أول الطريق
بس لسه ما وصلناش للنهاية
قالت
وإنت متأكد إن سنة كفاية
قال
إن شاء الله
ولو احتجنا أكتر
مش مشكلة
قالت
أنا مش هضغط عليك
قال
وأنا مش هخليكي تستعجلي
قالت
المهم نفضل ماشيين
قال
وده اللي بيحصل
ثم قال أحمد
بصي
أنا ممكن أقولك إن الشقة خلصت
وأفرحك
لكن أنا عايز أكون صريح معاكي في كل حاجة
قالت
وده أكتر حاجة بتخليني مطمنة
قال
أنا لسه قدامي وقت
وظروفي المادية لازم أحسبها كويس
ومش كل حاجة هقدر أعملها مرة واحدة
قالت
أنا فاهمة
قال
ولو حاجة اتأخرت
قالت
مش مشكلة
قال
ولو حاجة اتغيرت
قالت
نتكلم
قال
ولو احتجنا نستنى
قالت
نستنى
قال
إنتي سهلة أوي
قالت
لا
أنا بس فاهمة إن البيت مش بيتبني في يوم
ضحك أحمد وقال
ولا العلاقة
قالت
بالضبط
ثم قالت
إحنا نفسنا محتاجين وقت عشان نعرف بعض أكتر
قال
وأنا كل يوم بعرفك أكتر
قالت
ولسه هتعرف
قال
أنا مستني
ثم بدأ أحمد يحكي لها عن تفاصيل صغيرة جدًا
عن مكان المقابس
عن شكل الإضاءة
عن المساحة التي سيتركها فارغة
عن الأشياء التي لا يريد أن يضعها الآن
وكانت منة تسأله عن كل تفصيلة
حتى الأشياء التي قد يراها شخص آخر غير مهمة
كانت بالنسبة لهما مهمة
لأنها تخص بيتهما
قالت منة
طب أوضة الأطفال
قال
لسه زي ما هي تقريبًا
قالت
يعني هنسيبها فاضية
قال
أيوه
قالت
ليه
قال
لأنها لسه بدري
قالت
بس أنا كنت متخيلة فيها حاجات
قال
أنا فاكر
قالت
إنت فاكر
قال
فاكر إنك قلتي ممكن تبقى أوضة أطفال
قالت
وأنت قلت لي إيه وقتها
قال
قلتلك إحنا لسه هنبدأ الشقة وإنتي سبقتينا للأولاد
ضحكت منة
وقالت
ما أنا لازم أخطط
قال
خططي براحتك
قالت
وأنت هتوافق
قال
هنختار سوا
قالت
حتى أسماء الأولاد
قال
حتى أسماء الأولاد
قالت
يبقى أنا مطمنة
ثم عادت تسأله عن الصالة
قالت
هتحط فين الصورة
قال
الصورة بتاعتنا
قالت
آه
قال
في المكان اللي اتفقنا عليه
قالت
والجملة اللي تحتها
قال
لسه فاكرها
قالت
قولها
قال
أول يوم في بيتنا
ابتسمت منة
وقالت
أنا بحبها
قال
وأنا كمان
ثم قال
بس لسه بدري على الصورة
قالت
عارفة
قال
بس أنا حاطط مكانها في دماغي
قالت
وأنا كمان
وفي نهاية المكالمة
قالت منة
أحمد
قال
نعم
قالت
إنت مبسوط
قال
من إيه
قالت
من إن الشقة بدأت تتجهز
سكت قليلًا
ثم قال
آه
بس مش عشان الشقة
قالت
أمال
قال
عشان كل ما أعمل خطوة فيها
أحس إن في خطوة بتقربني منك
قالت
حتى لو قدامنا سنة
قال
حتى لو قدامنا سنتين
المهم إننا ماشيين
قالت
وأنا معاك
قال
عارف
ثم أضاف
وعايزك تفضلي معايا في كل تفصيلة
قالت
هفضل
قال
حتى الألوان
قالت
حتى الألوان
قال
حتى المقابس
قالت
حتى المقابس
ضحك أحمد
وقال
إنتي طلعتِ مهتمة أوي
قالت
ده بيتنا
قال
عارف
ثم سكت لحظة
وقال
تصبحي على خير
قالت
وإنت من أهله
قال
بكرة هصورلك آخر حاجة خلصت
قالت
مستنية
قال
وأنا مستني رأيك
قالت
هقولك الحقيقة
قال
وده اللي أنا عايزه
أغلق أحمد الهاتف
وظل للحظات ينظر إلى صور الشقة الموجودة على هاتفه
ثم فتح إحدى الصور
كانت مجرد غرفة
جدرانها ما زالت في منتصف التشطيب
لا أثاث فيها
ولا زينة
ولا أي شيء يجعلها تبدو كبيت مكتمل
لكن أحمد نظر إليها طويلًا
ثم ابتسم
لأنه لم يكن يرى الجدران فقط
كان يرى منة
يرى يومهما الأول
يرى حياتهما القادمة
يرى الضحكات
ويرى الخلافات الصغيرة
ويرى المصالحات
ويرى أمسيات طويلة
ويرى صباحات جديدة
ويرى بيتًا لم يكتمل بعد
لكنه بدأ بالفعل يسكن قلبه
وفي الجهة الأخرى
كانت منة تنظر إلى الصور نفسها
وتتخيل الألوان التي اختارتها
وتتخيل الأثاث
وتتخيل المكان
ثم قالت لنفسها
لسه سنة
لكن يمكن أجمل حاجة في السنة دي
إننا هنفضل نبني حاجة تخصنا
شيئًا فشيئًا
لم تكن الشقة قد اكتملت
لكن شيئًا آخر كان يكتمل كل يوم
ثقة أحمد في منة
وثقة منة في أحمد
وكان الاثنان قد تعلما أن البيت الحقيقي
لا يبدأ عندما تفتح أبوابه لأول مرة
بل يبدأ منذ اللحظة التي يتوقف فيها اثنان عن قول
بيتي
وبيتك
ويبدآن في قول
بيتنا.
انتظر الجزء القادم
![]()
