الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
بعد آخر مكالمة بين أحمد ومنة
وبعدما أصبح تجهيز الشقة جزءًا ثابتًا من أحاديثهما اليومية
بدأ الاثنان يكتشفان أن فترة الخطوبة نفسها يمكن أن تكون مدرسة كاملة للحياة
فلم تعد مكالماتهما كلها عن الحب والكلام الجميل
بل بدأت تدخل بينهما تفاصيل صغيرة جدًا
تفاصيل ربما تبدو عادية لأي شخص يسمعها
لكنها بالنسبة إلى اثنين يستعدان لبناء بيت
كانت تحمل معنى كبيرًا
في صباح أحد الأيام
استيقظ أحمد بعد ساعات نوم قليلة
وكان أول شيء فعله أنه فتح هاتفه
وجد رسالة من منة
كانت تسأله
صحيت
قرأ أحمد الرسالة وابتسم
ثم كتب لها
آه
لسه صاحي
قالت
نمت كام ساعة
قال
مش كتير
قالت
يعني إيه مش كتير
قال
ما تزعليش
بس الشغل
قالت
أنا مش زعلانة
أنا بس عايزاك تاخد بالك من نفسك
قال
حاضر
قالت
مش كل حاجة شغل وشقة وتجهيز
إنت كمان ليك حق علينا
قال
علينا
قالت
آه
أنا وأمي ومامتك وكل الناس اللي بتحبك
ابتسم أحمد
وقال
طب وإنتي ليكي حق عليا
قالت
أكيد
قال
إيه هو
قالت
إنك ما تتعبش نفسك فوق طاقتك
ظل أحمد ينظر إلى الرسالة قليلًا
ثم قال
عارفة
أنا ساعات ببقى عايز أعمل كل حاجة مرة واحدة
قالت
وأنا عارفة
قال
بس لما بكلمك بهدى
قالت
يبقى كلميني
قال
ده أسهل حل
قالت
بس بشرط
قال
إيه
قالت
ما تعتبرنيش بس حد بتكلمه لما تكون مضغوط
اعتبرني شريكتك
توقفت أصابع أحمد عن الكتابة للحظات
ثم كتب
إنتي فعلًا شريكتي
ويمكن دي أكتر حاجة أنا بدأ أتعلمها الفترة دي
أن الحياة مش لازم الواحد يشيلها لوحده
ردت منة
وأنا كمان بتعلم
إن الراحة مش معناها إن مفيش مشاكل
الراحة إنك تعرف إن فيه حد هتقدر تتكلم معاه لما تحصل المشكلة
قرأ أحمد كلامها أكثر من مرة
ثم قال
إحنا اتفقنا على حاجة من أول يوم
قالت
إيه
قال
لو حصل بينا اختلاف
ما نخليش الاختلاف يتحول لمعركة
نتكلم
قالت
ونسمع بعض
قال
حتى لو الكلام مش على مزاجنا
قالت
خصوصًا لو مش على مزاجنا
ابتسم أحمد
وقال
أنا حاسس إننا بنتعلم الجواز قبل ما نتجوز
قالت
يمكن دي أحسن حاجة
ثم انتقل الحديث مرة أخرى إلى الشقة
قال أحمد
على فكرة
أنا هروح الشقة النهارده
قالت
طب هتعمل إيه
قال
في حاجات هتتظبط
قالت
صورلي
قال
أنتي بقيتي المشرفة العامة
قالت
أكيد
قال
طب تعالى استلمي الشقة
قالت
نفسي
قال
هتدخليها قريب
قالت
إن شاء الله
ثم قالت
بس عايزة منك حاجة
قال
إيه
قالت
ما تخلينيش أعرف كل حاجة في آخر لحظة
قال
يعني
قالت
أي حاجة مهمة في التجهيز نتفق عليها سوا
قال
وعد
قالت
حتى لو الموضوع بسيط
قال
حتى لو مسمار
ضحكت منة
وقالت
حتى المسمار
قال
حاضر
وفي المساء
ذهب أحمد إلى الشقة
وأخذ يتابع ما تم إنجازه
كان بعض التشطيبات قد انتهى
وبعض الأشياء اقتربت من النهاية
لكن الطريق ما زال طويلًا
فالتجهيز لم يكن مجرد دهان وتركيب
كان يحتاج إلى وقت ومال وترتيب
وكان أحمد حريصًا ألا يتصرف بطريقة تضغط عليه ماديًا
لأنه يعرف أن الحياة بعد الزواج تحتاج إلى مسؤوليات أكبر
ولذلك كان يحاول أن يوازن بين ما يتمناه
وما يستطيع فعله
وعندما عاد
اتصل بمنة
قال
رجعت
قالت
عملت إيه
قال
اتقدمت شوية
قالت
يعني
قال
في حاجات خلصت
وحاجات قربت
وحاجات لسه محتاجة وقت
قالت
تمام
قال
بس أنا لسه شايف إن السنة اللي قلتلك عليها منطقية
قالت
وأنا موافقة
قال
مش عايز أوعدك بحاجة وأضغط نفسي عشان أنفذها
قالت
وأنا أصلًا مش عايزاك تعمل كده
قال
أنا نفسي أفرحك
قالت
إنت بتفرحني أصلًا
قال
إزاي
قالت
إنك بتفكر فيا في كل تفصيلة
قال
بس أنا عايز لما تدخلي البيت تحسي إن كل حاجة فيه شبهك
قالت
مش لازم يبقى شبهّي
قال
أمال
قالت
يبقى شبهنا
سكت أحمد
ثم قال
دي أحلى
قالت
كل حاجة بينا لازم تبقى شبهنا إحنا الاتنين
قال
حتى لو ذوقي مختلف عن ذوقك
قالت
نتفق
قال
ولو اختلفنا
قالت
نختار اللي يريحنا إحنا الاتنين
قال
ولو مش قادرين نختار
قالت
نأجل
قال
إنتي عندك حل لكل حاجة
قالت
مش لكل حاجة
بس مش عايزة أي مشكلة صغيرة تبقى سبب إننا نزعل من بعض
قال
وأنا كمان
وبعدها تحول الحديث إلى شيء آخر
شيء لم يكن متعلقًا بالشقة
منة بدأت تتحدث عن يومها
وأحمد حكى لها عن بعض المواقف التي حدثت معه في العمل
وكانت المكالمة عادية جدًا
لكن جمالها كان في بساطتها
فقد بدأت منة تدخل في تفاصيل يوم أحمد
وأصبح أحمد يعرف الأشياء الصغيرة التي تسعدها والتي تضايقها
لم يكن الأمر يحتاج إلى مناسبة
أحيانًا كان مجرد سؤال
عامل إيه
كفيلًا بأن يجعل اليوم أخف
وأحيانًا كانت منة تقول له
خد بالك من نفسك
فيشعر أن هناك شخصًا ينتظره فعلًا
وفي إحدى الليالي
سألته منة
أحمد
قال
نعم
قالت
إنت من أول ما بدأت تجهز الشقة
أكتر حاجة نفسك تخلص إيه
فكر أحمد قليلًا
ثم قال
مش عارف
قالت
أكيد في حاجة
قال
يمكن أكتر حاجة نفسي أخلصها
إني أشوفك واقفة جواها
قالت
بس ده مش تشطيب
قال
بالنسبة لي هو التشطيب الحقيقي
سكتت منة
ثم قالت
أنت بتعرف تقول كلام يخلي الواحد يسكت
ضحك أحمد
وقال
مش قصدي
قالت
لا
قصدي حلو
ثم قالت
وأنا أكتر حاجة نفسي فيها
قال
إيه
قالت
إن اليوم اللي ندخل فيه البيت
نبقى الاتنين متأكدين إننا وصلنا له بعد تعب
مش بس تعب الفلوس
تعب إننا اتعلمنا بعض
واتفقنا
واختلفنا
وفهمنا بعض
قال أحمد
وعشان كده أنا مش مستعجل
قالت
وأنا كمان
قال
السنين اللي جاية أهم من الشهور اللي إحنا مستنيينها
قالت
صح
قال
ممكن نستنى سنة
بس نبدأ صح
أفضل من إننا نستعجل ونعيش بعدين في ضغط
قالت
أنا فخورة بيك
قال
ليه
قالت
عشان بتفكر بعقلك وقلبك مع بعض
سكت أحمد
ثم قال
وأنا فخور بيكي
قالت
ليه
قال
عشان عمرك ما طلبتي مني حاجة فوق طاقتي
ولا مرة حسستيني إن قيمتي عندك مرتبطة بحاجة أجيبها
قالت
أنا من البداية اخترت أحمد
مش الشقة
قال
ربنا يخليكي ليا
قالت
ويخليك ليا
وبعد أن انتهت المكالمة
جلس أحمد وحده قليلًا
وكانت فكرة واحدة تدور في رأسه
أنه لم يعد يبني شقة فقط
بل كان يبني ثقة
وكان يعرف أن المال يمكن أن يأتي ويذهب
وأن الأثاث يمكن تغييره
والألوان يمكن إعادة طلائها
لكن الإنسان الذي يجد أمامه شخصًا يحبه ولا يضغط عليه
ويفهم ظروفه ولا يقلل منه
ذلك هو الشيء الذي لا يمكن تعويضه بسهولة
وفي اليوم التالي
حدث موقف بسيط بين العائلتين
فقد اتصلت والدة أحمد بوالدة منة
وكان الحديث هذه المرة عن بعض التفاصيل الخاصة بالتجهيز
ثم قالت والدة أحمد
إحنا مش عايزين نضغط عليهم
ردت والدة منة
ولا إحنا
المهم إنهم يعملوا كل حاجة بالراحة
قالت والدة أحمد
أحمد بيحاول يعمل كل اللي يقدر عليه
قالت والدة منة
ومنة مقدرة ده جدًا
ثم ضحكت وقالت
البنت كل يوم بتقول لي أحمد بقى يبعت لي صورة لكل حاجة
قالت والدة أحمد
هو كمان بيقول لي منة اختارت إيه ومنة قالت إيه
فضحكت الاثنتان
وكان واضحًا أن العلاقة بين العائلتين بدأت تأخذ شكلًا جميلًا
ليس فقط لأن هناك خطوبة
بل لأن كل طرف بدأ يشعر أن الآخر أصبح جزءًا من حياته
وفي نهاية اليوم
كانت منة تتحدث مع أحمد
فقالت له
ماما كلمتني
قال
قالتلك إيه
قالت
بتقول إن مامتك كلمتها
قال
أهو كده بقينا مشروع عائلي
ضحكت منة
وقالت
واضح
قال
بس أنا مبسوط
قالت
وأنا كمان
قال
عشان إيه
قالت
عشان كل حاجة ماشية بهدوء
قال
وأنا نفسي تفضل كده
قالت
مش شرط كل حاجة تفضل سهلة
قال
عارف
قالت
المهم لما تصعب
نفضل إحنا سوا
قال
وعد
قالت
وعد
ثم قال أحمد
تصبحي على خير
قالت
وإنت من أهله
وقبل أن يغلق الهاتف
قال
منة
قالت
نعم
قال
أنا حاسس إن الفترة دي
رغم إنها طويلة
هي أجمل فترة في حياتي
قالت
ليه
قال
عشان كل يوم فيها بيقربني منك أكتر
قالت
وأنا حاسة بنفس الحاجة
وأغلق أحمد الهاتف
ثم نظر إلى صورة الشقة مرة أخرى
ولم يكن يعرف أن الأيام القادمة ستحمل لهما تفاصيل جديدة
مواقف بسيطة
ومواقف ستختبر صبرهما
وأيامًا سيضحكان فيها من أشياء صغيرة
وأيامًا أخرى سيحتاج كل واحد منهما فيها إلى الآخر أكثر مما يتخيل
لكن شيئًا واحدًا كان قد بدأ يثبت نفسه بينهما
أنهما لم يعودا يجهزان بيتًا فقط
بل كانا يجهزان نفسيهما للحياة التي ستأتي بعده
وكانت كل خطوة في الشقة
تقابلها خطوة أخرى في علاقتهما
حائط جديد
يقابله اتفاق جديد
غرفة تقترب من الاكتمال
يقابلها حلم جديد
وتفصيلة صغيرة تنتهي
يقابلها شيء آخر يتعلمانه عن بعضهما
وكان البيت
رغم أنه لم يكتمل بعد
قد بدأ بالفعل يأخذ أول ملامح روحه.
انتظر الجزء القادم
![]()
