...
IMG 20260911 WA0073
حوار: أحمد محمد
في عالمٍ تتسارع فيه الكلمات، وتزدحم فيه الأصوات، تبقى الكلمة الصادقة قادرة على أن تجد طريقها إلى القلب، وأن تترك أثرًا لا تمحوه الأيام.
وبين الكتابة والنقد والأدب والإعلام، تسير أفنان محمد، الكاتبة والناقدة الأدبية من الأردن.
بخطى هادئة نحو مشروعها الأدبي، مؤمنة بأن الكتابة ليست مجرد وسيلة للتعبير، وإنما رسالة وأثر ومساحة لاكتشاف الإنسان لنفسه ولمن حوله.
في هذا الحوار، نقترب من تجربتها، ونتعرف إلى رؤيتها للكتابة والإعلام والتعليق الصوتي، ونتوقف عند مشروعها الأدبي الأول «قبري في صدرك»، كما نتعرف إلى رسالتها التي تؤمن بأن بعض الكلمات لا تمر على القلب، بل تسكنه.
في البداية، نود أن نتعرف إليكِ أكثر، من حيث الاسم والإقامة والدراسة.
أنا أفنان محمد، كاتبة وناقدة أدبية من الأردن، وأقيم في عمّان. أهتم بالأدب والكتابة والنقد، وأحاول دائمًا أن أطور أدواتي وأن أترك أثرًا جميلًا من خلال ما أقدمه.
ما طبيعة عملك الحالي، وما المجال الذي تنشطين فيه؟
أعمل في المجال الأدبي والإعلامي والثقافي، وأتولى إدارة الإدارة الإعلامية في الرابطة العربية للكتاب، إلى جانب اهتمامي بالكتابة والنقد الأدبي.
ما الصفات التي تحبين أن تجديها في بيئة العمل، وما الأمور التي لا تفضلين وجودها؟
أحب أن أرى الاحترام والوضوح وروح الفريق وتحمل المسؤولية، وأن يكون الاختلاف مساحة للتعلم وليس سببًا للخلاف.
وفي المقابل، لا أحب التقليل من جهود الآخرين، أو عدم الالتزام، أو العمل الذي يفتقد إلى الوضوح والاحترام؛ لأن بيئة العمل الناجحة في رأيي تقوم على التقدير المتبادل والتعاون والقدرة على الاختلاف بصورة إيجابية.
هل هناك جانب معين في شخصيتك أو أدواتك تتمنين تطويره؟
بالتأكيد، فالإنسان لا يتوقف عن التطور. أطمح إلى تطوير أدواتي النقدية والكتابية، وتعميق معرفتي الأدبية، وأن أكون أكثر قدرة على تحويل الأفكار والمشاعر إلى نصوص أكثر نضجًا وتأثيرًا.
دخولك إلى عالم الكتابة، هل كان بدافع الحب لها فقط، أم كانت لديك رسالة ترغبين في إيصالها من خلالها؟
دخلت مجال الكتابة حبًّا فيها أولًا، لأنني وجدت فيها المساحة التي أستطيع من خلالها أن أعبّر عن نفسي، وأن أرى العالم بطريقة مختلفة.
لكن مع الوقت، تحوّل هذا الحب إلى رسالة؛ فأنا أؤمن بأن الكلمة ليست مجرد حروف تكتب، بل أثر يمكن أن يغيّر شعورًا، أو يفتح فكرة، أو يمنح إنسانًا شيئًا من الضوء.
لذلك أكتب لأنني أحب الكتابة، وأستمر فيها لأنني أؤمن بما يمكن للكلمة أن تتركه خلفها.
حدثينا عن أعمالك الأدبية، وما المشروع الذي تستعدين لتقديمه للقارئ؟
حتى الآن، لم يسبق أن صدر لي عمل أدبي منشور، لكنني أسير بخطى هادئة نحو إصدار كتابي الأول، الذي أحمل له عنوان «قبري في صدرك»
وهو كتاب نثر وجداني يلامس المساحات الخفية في الإنسان؛ تلك التي لا تقال بسهولة، ولا تجد طريقها إلا إلى الورق.
أكتب فيه عن الحب بوصفه حالة كاملة، وعن التعلق والحنين والذاكرة والعلاقات التي تترك في أرواحنا أثرًا لا يشبه سواه، كما أتناول تقلبات القلب وما يختبئ خلف الصمت من مشاعر وأسئلة.
«قبري في صدرك» ليس مجرد مجموعة نصوص متفرقة، بل محاولة لكتابة ما نعجز أحيانًا عن قوله بصوت مسموع. هي نصوص كتبتها من منطقة قريبة جدًا من القلب، لذلك أحرص على أن يكون لكل نص فيها نبضه الخاص، وأن يجد القارئ بين سطورها شيئًا يشبهه.
وأتمنى أن يرى الكتاب النور قريبًا، وأن يكون إصداري الأول خطوة حقيقية في الطريق الذي اخترته لنفسي: طريق الكتابة.
تحدثتِ عن التعلق في كتابك، وهو من أكثر المشاعر الإنسانية تعقيدًا. كيف تنظرين إليه؟
التعلق من أكثر الحالات الإنسانية تعقيدًا؛ لأنه يجعلنا نرى ما نحب أكبر من حجمه، وأقرب إلى أرواحنا من قدرتنا على التخلي عنه.
من وجهة نظرك، ما تقييمك لمجال التعليق الصوتي؟ وهل ترين أنه حصل على حقه من الانتشار والتقدير داخل الوطن العربي؟
أرى أن مجال التعليق الصوتي في الوطن العربي يمتلك مساحة كبيرة جدًا من الإبداع، لكنه حتى الآن لم يأخذ حقه الكامل من الانتشار والتقدير، رغم اتساع استخدامه في المحتوى الثقافي والإعلاني والوثائقي والرقمي.
وأعتقد أن المشكلة ليست في قلة المواهب، بل في أن كثيرًا من الأصوات المميزة ما زالت بحاجة إلى فرص ومساحات حقيقية تظهر قدراتها.
ومع تطور المحتوى الرقمي، أظن أن التعليق الصوتي أمامه مستقبل واسع جدًا، خصوصًا عندما يجتمع جمال الصوت مع جودة الأداء والقدرة على إيصال الإحساس والمعنى.
كيف ترين الإعلام الحالي مقارنة بالإعلام القديم؟ وأيهما ترينه أكثر قوة في إيصال الرسالة الحقيقية؟
أرى أن الإعلام، قديمًا وحديثًا، لا يخلو من إخفاء بعض الحقائق، ونادرًا ما تصل الحقيقة كاملة دون انتقاص أو توجيه.
لكن مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي وازدياد أعداد المستخدمين، أصبح الوصول إلى المعلومات وكشف بعض الحقائق أسهل، لأن الخبر لم يعد حكرًا على المؤسسات الإعلامية وحدها، وأصبح المواطن قادرًا على نقل ما يحدث من موقع الحدث.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار الإعلام الجديد أكثر صدقًا بالضرورة؛ فما زالت هناك تغطية لبعض القضايا، وأحيانًا تضليل أو تداول لمعلومات غير دقيقة.
لذلك أرى أن قوة الإعلام الحقيقي لا تكمن في كونه قديمًا أو حديثًا، وإنما في المصداقية والتحقق والحياد والقدرة على نقل الصورة كاملة دون تزييف أو توجيه.
في الفترة الأخيرة، أصبحت التريندات تسيطر بصورة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي. هل ترين أننا قادرون على التحكم فيما يظهر على الساحة وما يتم تجاهله؟
أرى أن التريندات أصبحت جزءًا أساسيًا من المشهد الرقمي، لكنني لا أعتقد أننا نستطيع السيطرة عليها بشكل كامل، لأن الجمهور هو من يشارك في صناعتها وانتشارها.
ما نستطيع التحكم فيه هو ما نختار أن ندعمه ونمنحه مساحة، وما نرفض أن نساهم في انتشاره.
ومن وجهة نظري، من الأفضل أن نظهر ما يحمل قيمة أو رسالة أو فائدة للمجتمع، وأن نتوقف عن منح التريندات السطحية أو المسيئة مزيدًا من الاهتمام؛ لأن تجاهل المحتوى أحيانًا يكون الطريقة الأقوى لإخماد انتشاره.
فالإعلام وصنّاع المحتوى والجمهور جميعًا شركاء في صناعة المشهد، وما نمنحه اهتمامنا اليوم هو ما سيحدد شكل التريند غدًا.
لو أتيحت لكِ فرصة توجيه رسالة توعوية في جملة واحدة، لتكون بصمة صوتية لا تنسى، ماذا ستقولين؟
لا تؤذوا إنسانًا لأنه لم يُحسن شرح وجعه؛ فليس كل ألم يُقال، وليس كل صمت سلامًا.
قد يبتسم أحدهم أمامك، وفي داخله شيء كامل ينهار دون أن يسمع له أحد صوتًا.
كونوا لطفاء؛ فبعض الناس لا يحتاجون إلى من ينقذهم بقدر ما يحتاجون إلى ألّا يكونوا مضطرين إلى النجاة منكم.
إذا عرض عليكِ دور تمثيلي مصور يمكن أن يوصل رسالتك بصورة أسرع إلى الجمهور، فهل ستقبلين خوض تجربة التمثيل؟
يمكن أن أقبل، لكن بشرط أن يكون الدور حاملًا لرسالة حقيقية تشبهني وتشبه ما أؤمن به.
أنا أؤمن بأن الكتابة قادرة على الوصول إلى القلب، وأنا لا أكتب لمجرد أن تقرأ كلماتي، بل أكتب لألمس شيئًا عميقًا في القارئ؛ ربما وجعًا أخفاه، أو ذكرى نسيها، أو شعورًا لم يجد له اسمًا.
التمثيل قد يكون طريقًا أسرع للوصول، لكنني لا أبحث عن السرعة بقدر ما أبحث عن الأثر. فإذا استطعت أن أحمل رسالتي من الورق إلى الشاشة دون أن أفقد صدقها، فسأفعل.
لأنني في النهاية لا أريد أن أكون حاضرة في المشهد فقط، بل أريد أن أترك في قلب من يشاهدني شيئًا يصعب عليه أن ينساه.
وفي ختام هذا الحوار، ماذا تحبين أن تقولي لمجلة الرجوة الأدبية؟
في ختام هذا الحوار، كل الشكر والامتنان لمجلة الرجوة الأدبية على هذه المساحة التي منحتني فرصة لأن أكون قريبة من القارئ، لا ككاتبة فقط، بل كإنسانة تحمل الكثير من الإيمان بالكلمة.
أتمنى أن تظل المجلة مساحة حقيقية للأقلام التي تكتب من القلب، وأن تبقى الكلمة فيها حيّة وصادقة وقادرة على أن تصل إلى الإنسان في أكثر الأماكن التي لا تصل إليها الأصوات.
وأقول لكل من يقرأني: لا تكتبوا لترَوا، اكتبوا لأن في داخلكم شيئًا يستحق أن يُقال؛ فبعض الكلمات لا تمر على القلب، بل تسكنه.
كل المحبة لمجلة الرجوة الأدبية وللقائمين عليها، ولكل قلم ما زال يؤمن بأن للكلمة أثرًا لا يموت.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *