...
File 00000000c1cc8210afa4c4df826b10e6

 

الكاتبه أمل سامح 

 

لم أنم تلك الليلة.

ولم يكن السبب أنني قرأت خبر موتي، ولا لأن رقمًا مجهولًا أخبرني بأن وجودي نفسه هو المشكلة.

السبب الحقيقي كان أبسط من ذلك وأكثر رعبًا:

كنت أعرف الرجل الموجود في الصورة.

أو على الأقل… كنت أعرف عينيه.

ظللت أحدّق في الصورة القديمة حتى الفجر، أقرّبها وأبعدها، وأحاول أن أستخرج من ذاكرتي اسمًا واحدًا يخص ذلك الوجه.

لم أستطع.

لكنني كنت متأكدة من شيء واحد:

هذا الرجل لم يكن غريبًا عني.

كانت يده موضوعة على كتفي، وكنت أبتسم بالطريقة التي لا أبتسم بها إلا لمن أشعر معه بالأمان.

فتحت معرض الصور في هاتفي، وبدأت أبحث عن الصورة نفسها.

لا شيء.

فتشت في حساباتي القديمة.

لا شيء.

حتى الصور التي كنت قد نسيتها منذ سنوات لم يكن بينها أثر لذلك الرجل.

وكأن الصورة الوحيدة التي تجمعنا…

لم يكن من المفترض أن توجد.

عند السادسة وثلاث عشرة دقيقة تمامًا، اهتز هاتفي.

نفس الرقم المجهول.

هذه المرة لم أنتظر.

فتحت الرسالة.

«هل عرفتِه؟»

كتبت:

«من أنت؟»

ظهرت علامة الكتابة.

اختفت.

عادت.

ثم وصلتني رسالة:

«السؤال ليس من هو… السؤال: لماذا تتذكرينه؟»

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

كتبت:

«أنا لا أتذكره.»

جاء الرد سريعًا:

«إذن لماذا كنتِ تبكين عندما اختفى؟»

توقفت.

اختفى؟

متى؟

وأين؟

ومن قال إنني بكيت أصلًا؟

ثم وصلتني صورة أخرى.

صورة لطفلة صغيرة تجلس على الأرض أمام باب خشبي قديم.

حدقت فيها طويلًا.

لم أعرف الطفلة.

لكنني عرفت المكان.

بيت جدتي.

ذلك البيت الذي بيع قبل أكثر من عشرين عامًا.

ذلك الباب نفسه.

حتى الخدش الصغير في أسفله كان موجودًا.

كبّرت الصورة.

كانت الطفلة تنظر إلى شيء خارج الإطار.

وبجانبها ورقة صغيرة ملقاة على الأرض.

حاولت تكبيرها حتى ظهرت الكلمات.

كانت مكتوبة بخط طفولي:

«أنا وسليم سنكبر معًا.»

توقفت.

سليم؟

كان الاسم مألوفًا.

مألوفًا بصورة مؤلمة.

ثم سمعت صوتًا خلفي.

التفتُّ بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

لكن باب غرفتي…

كان مفتوحًا.

مع أنني كنت متأكدة أنني أغلقته.

نهضت ببطء.

اقتربت من الباب.

وعندما وصلت إليه، رأيت شيئًا على الأرض.

مفتاحًا.

مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.

لم أره في حياتي.

لكن بجانبه كانت هناك ورقة مطوية.

فتحتها.

وكان عليها سطر واحد:

«هذا هو الباب الذي كنتِ تبحثين عنه وأنتِ طفلة.»

شعرت بأن قلبي يهبط إلى معدتي.

رفعت المفتاح.

وفي اللحظة نفسها رن هاتفي.

كانت نورا.

أجبت.

لم تقل مرحبًا.

قالت بصوت مرتجف:

— سُدرة… أين أنتِ؟

— في البيت.

صمتت لثوانٍ.

ثم قالت:

— لا تفتحي أي باب.

نظرت إلى المفتاح في يدي.

— لماذا؟

قالت:

— لأنني رأيت شيئًا الليلة الماضية.

— ماذا؟

تنفست بصعوبة.

— رأيت اسمك.

— أين؟

— في مكان لا يمكن أن يكون اسمك فيه.

جلست على حافة السرير.

— نورا، أنا لا أفهم شيئًا.

قالت:

— وأنا أيضًا لا أفهم… لكنني ذهبت إلى أرشيف الجامعة لأبحث عن اسمك.

— لماذا؟

— لأن الخبر الذي ظهر عن وفاتك لم يكن مزيفًا.

أغمضت عيني.

— أعرف.

— لا، أنتِ لا تعرفين.

صمتت قليلًا ثم قالت:

— وجدت ملفًا باسمك.

فتحت عيني.

— أي ملف؟

قالت:

— ملف قبول جامعي مؤرخ قبل ميلادك بثلاث سنوات.

لم أجب.

سمعتها تهمس:

— والأغرب من ذلك…

— ماذا؟

— أن صورتك كانت بداخله.

تجمدت.

— هذا مستحيل.

— أعرف.

— نورا، أين الملف؟

قالت:

— اختفى.

— ماذا؟

— قبل أن أصوره.

ثم انقطع الاتصال.

حدقت في الشاشة.

6:13.

مرة أخرى.

نفس التوقيت.

كأن الساعة نفسها أصبحت جزءًا من شيء لا أفهمه.

ثم انتبهت إلى شيء لم ألاحظه من قبل.

الرقم المجهول لم يعد موجودًا في المحادثة.

ولا الرسائل.

ولا الصورة.

ولا حتى إشعار الاتصال من نورا.

فتحت سجل المكالمات.

لا شيء.

كأنني قضيت الليل كله أتحدث مع شخص…

لم يتصل بي قط.

وضعت الهاتف جانبًا.

ثم سمعت طرقًا على الباب.

ثلاث طرق.

هادئة.

متباعدة.

طرق… طرق… طرق.

تجمدت في مكاني.

لم أتحرك.

جاء الطرق مرة أخرى.

ثم صوت امرأة من خلف الباب:

— سُدرة؟

عرفت الصوت.

إنه صوت أمي.

اقتربت من الباب.

وضعت يدي على المقبض.

ثم توقفت.

تذكرت الرسالة:

«لا تفتحي أي باب.»

قلت:

— أمي؟

جاء الرد:

— افتحي يا سُدرة.

اقتربت أكثر.

لكن شيئًا لم يكن منطقيًا.

أمي كانت خارج المدينة منذ ثلاثة أيام.

وكانت قد أخبرتني بنفسها أنها لن تعود قبل نهاية الأسبوع.

ابتعدت عن الباب.

— أمي، أين أنتِ الآن؟

ساد الصمت.

ثم جاء الصوت نفسه، ولكن هذه المرة بنبرة مختلفة:

— أنتِ تعرفين أين أنا.

تراجعت خطوة.

وفجأة سقط شيء من أسفل الباب.

ورقة.

اقتربت منها دون أن ألمسها.

كانت صورة.

صورة قديمة.

أنا والرجل نفسه.

لكن هذه المرة لم نكن طفلين.

كنا في العشرينات تقريبًا.

وكانت الصورة ملتقطة في المكان نفسه الذي أقف فيه الآن.

داخل شقتي.

قلّبت الصورة.

وجدت كتابة خلفها:

«أنتِ طلبتِ مني أن أنساكِ، سُدرة.»

ثم سطر آخر:

«لكنّكِ نسيتِ أنكِ طلبتِ ذلك.»

لم أعد أشعر بقدميّ.

رفعت عيني نحو الباب.

لم يعد هناك صوت.

ولا طرق.

ولا أحد.

فتحت الباب.

كان الممر فارغًا.

لكن على الأرض، أمام عتبة شقتي، كان هناك شيء آخر.

مظروف أبيض.

حملته.

كان مكتوبًا عليه اسمي.

فتحتُه.

وجدت بداخله ورقة واحدة فقط.

لم تكن رسالة.

كانت صفحة من كتاب.

وفي أعلى الصفحة عنوان:

«سُدرة عبد الرحمن — الصفحة الأولى»

بدأت أقرأ.

«وُلدت سُدرة في السادس عشر من سبتمبر عام 1996.»

صحيح.

ثم:

«ستصبح كاتبة.»

صحيح.

«ستكتب أول كتاب لها في الثلاثين.»

توقفت.

أنا لم أنشر كتابي الأول بعد.

أنا فقط بدأت كتابته.

ثم قرأت السطر التالي:

«وفي السادسة والثلاث عشرة دقيقة من صباح السادس عشر من سبتمبر 2026، ستعرف سُدرة أنها ماتت.»

ارتجفت يدي.

كان كل شيء مكتوبًا.

حتى ما حدث هذا الصباح.

لكن السطر الأخير…

جعلني أنسى كيف أتنفس.

«وفي الساعة نفسها، ستبدأ في البحث عن الرجل الذي محته من ذاكرتها.»

رفعت عيني عن الصفحة.

ثم سمعت صوتًا من خلفي.

صوت رجل.

هادئ جدًا.

قريب جدًا.

قال:

— تأخرتِ يا سُدرة.

استدرت.

ولأول مرة…

رأيت الرجل الموجود في الصورة.

لكنه لم يكن ينظر إليّ كغريب.

كان ينظر إليّ…

كأنني أنا الغريبة.

ثم قال:

— ألم تتذكّريني بعد؟

يتبع…

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *