...
IMG 20260917 WA0076(1)

 

الكاتبه عاليا عجيزة

 

بدأت أضواء القمر تتراقص حولها بشكل مضطرب، وكأن طاقة غريبة خفية تسري في زوايا القصر المهجور، تعيد ترتيب العناصر وتستحضر أرواحًا نامت عميقًا في غياهب النسيان.

 

تحركت خطوة واحدة نحو النافذة المزخرفة، ليشتد الضوء الأزرق المنساب من ردائها، ويزداد خبو جسدها الضبابي، كأنه يتلاشى في الأفق الساحر.

 

وفجأة، تعالت أصوات خفيفة كحفيف أوراق شجر يابسة، لكنها لم تكن سوى أوراق المخطوطات القديمة الملقاة عند أقدام الأعمدة، تحركت جميعها في وقت واحد، كأن أحدًا يعيد كتابة التاريخ من جديد.

 

لم تكن وحيدة في القاعة هذه الليلة كما ظنت؛ بل بدأت الظلال القابعة خلف الأقواس تتشكل وتتكاثف، متخذة هيئات مبهمة تقترب منها بخطوات متئدة، لا صوت لها ولا أثر.

 

توقفت عن السير، واستدارت ببطء وهدوء نحو العتمة القادمة من عمق القصر الملكي.

 

لم ينطق أحد بكلمة، ولم تصدر أي أنفاس، بل كان التواجد بين هذه الكائنات الأثيرية يحدث في صمت مطبق، عبر نظرات أعمق من التاريخ نفسه.

 

مدَّ أحد الظلال يده الشفافة نحوها، محملًا بشرارة ضوئية دافئة تشبه في طياتها مفتاحًا لسر قديم أو رسالة أخيرة طال انتظارها.

 

تردد نبض روحها لطائفة من الثواني، بين أن تمد يدها وتلمس ذلك الضوء لتكتشف السر الذي احتجزها هنا لمئات السنين وتنهي رحلتها، أو أن تظل هكذا…

 

شبحًا جميلًا حائرًا ينسج الأسطورة في طيات الليل، ويمشي بين حطام الماضي إلى الأبد.

 

كانت المسافة بين أصابعها الأثيرية وتلك الشرارة التائهة تتقلص ببطء قاتل، تحفها أنفاس المكان المعلقة.

 

ابتسمت ابتسامة غامضة لا تشي بشيء، ورفعت يدها بنعومة متأرجحة، كأنها حسمت أمرها أخيرًا للعبور نحو الحقيقة. وقبل أن تتلامس أصابعها مع ذلك الضوء المتوهج بكسر من الثانية، اشتدت العاصفة الضوئية فجأة، واختفت التفاصيل في وابل من السناء الأزرق الذي غمر المكان بأكمله.

 

سكن كل شيء فجأة، وعاد الهدوء ليعم القصر، تاركًا الأروقة خالية تمامًا كما كانت منذ قرون، دون أن يعلم أحد إن كانت قد عبرت أخيرًا إلى الضفة الأخرى وقبلت مصيرها، أم اختفت لتستعد لعودة جديدة وتكرار نفس الطقس في ليلة البدر القادم.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *