الكاتبه عاليا عجيزة
عندما خبت العاصفة الضوئية وتبدد ذلك السناء الأزرق الذي ملأ أركان الكاتدرائية، لم يكن الصمت الذي يخيم على المكان مجرد غيابٍ للصوت، بل كان صمتًا حيًّا يكتنز بوعيٍ جديد. فتحت عينيها الأثيريتين ببطء، لتكتشف أن تلك الشرارة الضوئية التي امتدت إليها لم تبدد جسدها الضبابي، بل فتحت أمامها طاقة دهاليز سرية كانت غائبة عن إدراكها لمئات السنين داخل هذا القصر الملكي. لم تعد جدران الكاتدرائية أطلالًا متهدمة فحسب، بل بدأت خطوط ذهبية من الضوء الشفاف ترسم على حجارتها المتآكلة خرائط ونقوشًا ملكية قديمة، تكشف عن ممرات خفية تمتد عميقًا تحت الأرض، حيث تُحفظ الأسرار التي غُيّبت عن كتب التاريخ.
سارت بخطوات أسرع هذه المرة، ينبعث من ردائها الشفاف ضياءٌ يضيء العتمة الشديدة التي كشفت عنها الأقواس الرومانية. كانت الممرات تحت الأرض تفوح برائحة البخور العتيق والورق المحترق، وتنتشر على جانبيها أسرّة خشبية متهالكة وتوابيت حجرية نُقش عليها الشعار الملكي القديم للسلالة الحاكمة التي اندثرت. في نهاية الممر العريض، وصلت إلى قاعة دائرية مهيبة، يعلوها عرش حجري تحيط به سلاسل من الفضة الخالصة، وتماثيل لفرسان غطت وجوههم الأقنعة النحاسية. وفي منتصف القاعة، كان هناك صندوق فضي مغلق بقفل يتوهج بنفس النور الأزرق الذي ينبعث من روحها.
اقتربت من العرش ببطء، وشعرت بخفقات غريبة في صدرها الأثيري؛ كانت هذه القاعة هي نقطة البداية، المكان الذي وُضع فيه القدر الأليم الذي أدى إلى تحولها إلى روح حائرة بين العالمين. جثت على ركبتيها أمام الصندوق المضيء، ومدت يديها الشفافتين لتلامس سطحه البارد. وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح القفل من تلقاء نفسه، ليتصاعد منه شريط زمني من الضوء يعرض أمام عينيها المشهد الأخير الذي أُخفي عن الجميع: لم تكن الضحية الوحيدة في ذلك الاحتفال المحترق، بل كان القصر الملكي بأكمله مسرحًا لخيانة كبرى خُطط لها في الظلام، وكان الشبح الذي قابلته في البهو الأعلى يقدم لها الخيار النهائي الخفي.
الآن، وهي تمسك بين يديها الضوئيتين بالوثيقة الملكية الأخيرة التي أُخرجت من الصندوق، كانت أمام خيارين أحلاهما مرارًا: إما أن تعيد فتح الدهاليز وتطلق سراح الأسرار المدفونة لتكشف الحقيقة الكاملة للعالم وتوقظ بقية الأرواح المعلقة، أو أن تطوي هذه الصفحة وتدع الماضي يندثر تحت حكام الزمن القاسي. رفعت رأسها نحو الأعلى، حيث يضيء القمر من الفتحة السماوية، ونظرت إلى الوثيقة المتوهجة بين يديها، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة تجمع بين اليقين والغموض، وهي تبدأ في تلاوة الكلمات الأولى من التعويذة التي ستغير مقدرات الدهاليز إلى الأبد… دون أن يُعرف ما إذا كانت كلماتها ستجلب الخلاص النهائي للقصر أم ستفتتح إحدى أكبر اللعنات المنسية.
![]()
