...
IMG 20260920 WA0057

 

الكاتب د. عبد الرحيم الشويلي

 

 

> «الموتُ حزينٌ في الغالب، لكن الحزن لا يمنعه من أن يترك وراءه ضحكة.»

— كيتلين مانر

 

 

 

خَيَّمَ الصَّمْتُ عَلَى صَالَةِ العَزَاءِ، وَجَلَسَ أَقَارِبُ العَمِّ كَمَالٍ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ بِوُجُوهٍ يَغْلِبُ عَلَيْهَا الحُزْنُ… أَوْ مَا يُشْبِهُ الحُزْنَ.

 

كَانَ كَمَالٌ ثَرِيًّا، عَزَبًا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَرَاءَهُ أَبْنَاءً، لَكِنَّهُ تَرَكَ ثَرْوَةً كَانَتْ كَفِيلَةً بِأَنْ تَجْعَلَ الحُزْنَ مُنَافَسَةً عَائِلِيَّةً شَرِسَةً.

 

دَخَلَ المُحَامِي شَفِيقٌ، وَحَقِيبَتُهُ الجِلْدِيَّةُ تَتَدَلَّى مِنْ يَدِهِ. جَلَسَ، وَأَخْرَجَ وَرَقَةً، ثُمَّ قَالَ:

 

— لَدَيَّ وَصِيَّةُ المَرْحُومِ.

 

اِنْحَنَتِ الرُّؤُوسُ نَحْوَهُ، وَتَوَقَّفَتِ الأَيْدِي عَنْ مَسْحِ الدُّمُوعِ.

 

قَرَأَ:

 

«إِلَى أَعَزِّ أَقَارِبِي… أَعْرِفُ أَنَّكُمْ حَزِنْتُمْ لِرَحِيلِي، وَلَكِنِّي أَعْرِفُ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَكُمْ يَحْزَنُ أَكْثَرَ كُلَّمَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ القَاعَةِ بِلَا شَيْءٍ.»

 

تَجَمَّدَتِ الوُجُوهُ.

 

وَاصَلَ المُحَامِي:

 

«لِذَلِكَ سَأَتْرُكُ ثَرْوَتِي لِمَنْ يَجْعَلُكُمْ تَضْحَكُونَ فِي هَذَا العَزَاءِ.»

 

تَعَالَتْ هَمْهَمَةٌ خَافِتَةٌ.

 

أَضَافَ:

 

«لَدَيْكُمْ عَشْرُ دَقَائِقَ. وَإِنْ لَمْ يَضْحَكْ أَحَدٌ، فَسَتَذْهَبُ الثَّرْوَةُ كُلُّهَا إِلَى مَلْجَأٍ لِلقِطَطِ.»

 

لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي تَارِيخِ العَائِلَةِ، ظَهَرَ الحُزْنُ صَادِقًا.

 

تَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ، وَأَلْقَى نُكْتَةً قَدِيمَةً.

 

لَمْ يَضْحَكْ أَحَدٌ.

 

تَقَدَّمَ آخَرُ، فَتَلَاعَبَ بِالكَلِمَاتِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الوُجُوهِ وَعَادَ مَكْسُورًا.

 

كَادَتِ الدَّقَائِقُ تَنْتَهِي.

 

عِنْدَهَا تَقَدَّمَ سَعِيدٌ، ابْنُ أَخِيهِ الأَصْغَرُ، وَوَقَفَ أَمَامَ صُورَةِ كَمَالٍ الكَبِيرَةِ.

 

نَظَرَ إِلَى الحَاضِرِينَ، ثُمَّ قَالَ:

 

— عَمِّي كَمَالٌ كَانَ يَقُولُ دَائِمًا: «أَنَا أَعْرِفُ أَهْلِي جَيِّدًا.»

 

صَمَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ:

 

— وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ عَلَى حَقٍّ… فَهُوَ لَمْ يَكْتُبْ وَصِيَّتَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدَ أَنَّنَا سَنَتَنَافَسُ عَلَى إِضْحَاكِ بَعْضِنَا بَعْضًا فِي يَوْمِ دَفْنِهِ.

 

خَرَجَتْ ضَحْكَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ آخِرِ الصَّفِّ.

 

ثُمَّ ضَحِكَ آخَرُ.

 

وَفِي لَحْظَاتٍ، اِنْفَجَرَتِ القَاعَةُ بِضَحِكٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ إِيقَافَهُ.

 

ضَحِكُوا عَلَى كَمَالٍ، وَعَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَعَلَى تِلْكَ الوَصِيَّةِ الَّتِي كَشَفَتْ لَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا أَقَلَّ حُزْنًا عَلَيْهِ مِمَّا كَانُوا يَظُنُّونَ.

 

أَغْلَقَ المُحَامِي الوَصِيَّةَ، وَقَالَ:

 

— مُبَارَكٌ يَا سَعِيدُ.

 

سَأَلَهُ سَعِيدٌ:

 

— لِأَنِّي أَضْحَكْتُهُمْ؟

 

هَزَّ المُحَامِي رَأْسَهُ، وَقَالَ:

 

— لَا… لِأَنَّكَ كُنْتَ الوَحِيدَ الَّذِي أَضْحَكَ المَيِّتَ قَبْلَ أَنْ يَضْحَكَ الأَحْيَاءُ.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *