...
File 00000000c2a0820a8b1d2b175e4ae7f3

 

الكاتبه أمل سامح 

 

— ألم تتذكّريني بعد؟

ظللت واقفة أمامه، عاجزة عن الكلام.

كان الرجل نفسه الذي رأيته في الصور، لكن وجوده أمامي جعل كل شيء أكثر غرابة؛ فالوجه الذي عجزت ذاكرتي عن تسميته، كان قلبي يتعامل معه بطريقة مختلفة تمامًا.

قال بهدوء:

— لا تنظري إليّ هكذا.

— كيف أنظر إليك؟

ابتسم ابتسامة حزينة.

— كأنك ترين شخصًا للمرة الأولى.

ابتلعت ريقي.

— لأنني فعلًا أراك للمرة الأولى.

تغيّرت ملامحه.

لم يغضب.

لم يتفاجأ.

فقط نظر إليّ طويلًا، وكأنه كان ينتظر هذه الجملة منذ سنوات.

ثم قال:

— إذن نجحوا.

تراجعت خطوة.

— من؟

لم يجب.

أشار إلى الورقة التي كنت أمسكها.

— هل قرأتِ الصفحة؟

— نعم.

— وهل صدّقتِ ما فيها؟

— لا أعرف ماذا أصدّق بعد الآن.

اقترب من الطاولة، ووضع يده فوق الصفحة.

— إذن ابدئي بالسؤال الصحيح.

— وما هو؟

نظر في عيني مباشرة.

— مَن الذي كتب حياتك؟

شعرت بقشعريرة.

— أنت؟

هزّ رأسه.

— لو كنت أنا، لما كنتِ تبحثين عني الآن.

صمتُّ.

ثم قلت:

— اسمك سليم؟

رفع عينيه إليّ بسرعة.

لأول مرة رأيت الخوف في وجهه.

— من أخبرك؟

أشرت إلى الصورة.

— كانت هناك صورة لي وأنا طفلة، ومكتوب خلفها: «أنا وسليم سنكبر معًا».

جلس ببطء.

ثم قال:

— تلك الصورة لم يكن من المفترض أن تصل إليك.

— لماذا؟

— لأنكِ طلبتِ مني أن أحرقها.

ضحكت بسخرية.

— أنا؟

— نعم.

— وأنا لا أتذكرك أصلًا.

قال بصوت منخفض:

— وهذا هو الشيء الذي قتلني في المرة الأولى.

تجمدت.

— ماذا تعني؟

رفع رأسه.

— نحن لم نلتقِ اليوم للمرة الأولى يا سُدرة.

اقتربت منه.

— متى التقينا إذن؟

نظر إلى الساعة.

6:13.

ثم قال:

— قبل سبعة عشر عامًا.

شعرت أن الغرفة بدأت تضيق.

— كنت في الثالثة عشرة.

— أعرف.

— وأنت؟

— كنت في السادسة عشرة.

— وماذا حدث؟

ظل صامتًا.

ثم أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا ووضعه أمامي.

مفتاح.

نظرت إليه.

كان مطابقًا تمامًا للمفتاح الذي وجدته في غرفتي.

— هذا ليس مفتاحًا واحدًا.

قالها بهدوء.

— ماذا؟

— هناك مفتاحان.

أخرج الثاني من جيبه.

ووضعه بجوار الأول.

كانا متطابقين.

لكن أحدهما كان يحمل نقشًا صغيرًا لم أنتبه إليه من قبل.

16 / 9 / 2009

حدقت في التاريخ.

— هذا تاريخ…

— يوم اختفائي.

رفعت رأسي.

— اختفائك؟

أومأ.

— وفي اليوم نفسه اختفت منكِ سبعة عشر عامًا من الذكريات.

بدأت أتنفس بصعوبة.

— هذا مستحيل.

— كنت أعرف أنك ستقولين ذلك.

ثم أخرج هاتفه.

فتح صورة.

لم تكن صورة قديمة هذه المرة.

كانت صورة حديثة.

صورة لي.

كنت أقف أمام باب خشبي قديم.

وبجواري سليم.

وكانت الصورة مؤرخة:

16 سبتمبر 2026 — 6:13 صباحًا.

لكنني كنت أعرف أنني في السادسة وثلاث عشرة دقيقة من صباح اليوم كنت في سريري.

قلت:

— من أين حصلت على هذه؟

أجاب:

— أنتِ من أرسلتِها إليّ.

حدقت فيه.

ثم شعرت بشيء بارد يمر في رأسي.

فجأة…

لمعت صورة.

طفلة.

باب خشبي.

رجل صغير يمسك يدي.

وصوتي أنا أقول:

— سليم، لو نسيتني يومًا… لا تفتح الباب.

شهقت.

وضعت يدي على رأسي.

صور أخرى بدأت تظهر.

ركض.

بكاء.

مطر.

ورقة تحترق.

ثم صرخة.

«لا تفتح الباب!»

فتحت عيني.

كان سليم أمامي.

قال:

— تذكرتِ؟

هززت رأسي.

— لا… رأيت شيئًا فقط.

— وهذا يكفي.

— ماذا حدث لنا؟

لم يجب.

فقد كان ينظر خلفي.

التفتُّ.

كان الباب الخشبي لغرفة نومي مفتوحًا.

مع أنني لم أفتحه.

والأغرب…

أن هناك طفلًا صغيرًا يقف أمامه.

طفل لم يتجاوز السادسة.

كان يحمل ورقة بيده.

وينظر إليّ.

قلت:

— من هذا؟

لم يجب سليم.

اقترب الطفل مني، ومدّ الورقة.

فتحتها.

وكان عليها بخط طفولي:

«سُدرة، لا تثقي بسليم.»

رفعت عيني إليه.

لكن الطفل كان قد اختفى.

أما سليم…

فكان ينظر إلى الورقة وكأنه رأى شيئًا لم يكن يريد أن يراه.

قلت:

— من كتب هذا؟

قال:

— أنتِ.

ثم أضاف:

— لكن المشكلة أن عمركِ في هذه الورقة كان ست سنوات.

نظرت إلى الباب المفتوح.

ثم إلى المفتاح.

ثم إلى سليم.

وفجأة أدركت شيئًا واحدًا:

ربما لم تكن ذاكرتي هي التي اختفت.

ربما كان هناك شخص ما… يحاول أن يجعلني أتذكر الشيء الخطأ.

يتبع…

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *