الكاتبة عاليا عجيزة
لم تكن الهالة البيضاء الساطعة التي غمرت أرجاء القصر نهاية المطاف، بل كانت الستار الأخير الذي انزاح ليعلن بداية انقشاع اللعنة. عندما انحسر الضوء تدريجيًّا، لم تعد الكاتدرائية أطلالًا مهجورة تحتضن الظلام، بل بدأت الجدران المتآكلة ترمم نفسها في مشهد أثيري مهيب؛ الأعمدة المكسورة عادت لتلتحم ببعضها، والزجاج المعشق على النوافذ القوطية استعاد ألوانه الزاهية، ليلمع تحت أضواء الفجر الأولى التي بدأت تتسلل استحياءً من أفق السماء.
وقفت في منتصف البهو، لكن هذه المرة لم تكن أطراف ردائها تطير كأشباح الليل، بل بدأت ألوان الحياة تعود إلى جسدها ببطء؛ تسللت الحمرة إلى وجنتيها الشاحبتين، وثقلت خطواتها لتطأ حجارة الممر بوقع حقيقي وملموس. نظرت إلى يديها، فلم ترَ ذلك الضياء الضبابي الشفاف، بل رأت أصابع دافئة ينبض فيها الحياة، وتلاشى ذلك الشعور القاسي بالضياع والخلود الأبدي الذي رافقها لقرون.
من حولها، بدأت ظلال الفرسان والملوك تتلاشى بسلام، لا كأرواح معذبة، بل كشخصيات استعادت كرامتها وتاريخها الحقيقي بعد أن أُعلنت الحقيقة المكتوبة في الوثيقة الملكية. تحولت أوراق المخطوطات القديمة التي كانت متناثرة على الأرض إلى رماد ذهبي ناعم تطاير مع نسمات الصباح الباردة، ليمحو معها كل أثر للخيانات والمكائد التي دُنست بها دهاليز القصر.
مشيت بخطوات ثقيلة ومتئدة نحو البوابة الخارجية الكبرى للقصر الملكي، والتي كانت موغلة في الإغلاق منذ زمن لا يذكره أحد. عندما وضعت كفها الدافئ على المقبض الحديدي الصدئ، انفتحت البوابات الضخمة بصوت أنين طويل، ليتدفق من خلالها نسيم الصباح العليل، محمّلًا برائحة الزهور البرية وأشعة الشمس الذهبية.
توقفت على عتبة القصر ونظرت إلى الوراء للمرة الأخيرة؛ كان القصر الملكي يقف شامخًا وصامتًا، ينبض بهيبة قديمة تطهرت من أسرارها المظلمة. ثم التفتت نحو الطريق الممتد أمامه عبر الغابة الكثيفة، وهو طريق لم تسلكه منذ مئات السنين. رفعت رأسها نحو السماء المشرقة وابتسمت ابتسامة هادئة ملؤها الأمل والحرية، وخطت خطوتها الأولى خارج أسوار الدهاليز… دون أن تلتفت إلى الخلف، ودون أن يدرك أحد ما إذا كانت تسير نحو حياة جديدة كإنسانة من فناء هذا العالم، أم أنها تعبر نحو عالم آخر أرحب، لا وجود فيه للقيود والأسرار.
![]()
