ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260921 WA0078(1)

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

ترددت أصداء أنفاسها الأثيرية في أرجاء القاعة، بينما كانت تماثيل الفرسان تخفض سيوفها الثقيلة إجلالًا للموقف الحاسم. تقدمت خطوة واحدة نحو حافة البحيرة الضبابية، ليتحول الضباب حول قدميها الحافيتين إلى قطرات من الضوء تتساقط كاللؤلؤ السائل على الحجارة السوداء. رفعت الوثيقة الملكية إلى الأعلى، فبدأت الحروف المكتوبة بالنور الأزرق تنفصل عن الورق القديم وتطير في الهواء كفراشات من نور، تتجه مباشرة نحو أرواح الحراس والملوك المعلقة في الضباب، لتلتحم بصدورهم وتستعيد معها أجزاءً من وعيهم المفقود.

 

وفجأة، شُقَّت السماء فوق الكاتدرائية المهجورة بعاصفة رعدية شديدة، وتسللت أشعة القمر الكامل بشكل مباشر عبر السقف المنهار، ليصل ضوؤه إلى عمق الدهاليز السفلية. بدا وكأن العوالم تزاحمت في تلك اللحظة؛ فالقصر الملكي المهجور لم يعد مجرد أطلال حجارة في عالم الفانين، بل أصبح جسرًا يعبر عليه الماضي ليتقاطع مع الحاضر. بدأت أجساد الظلال الشفافة تتجمع وتتكاتف حول العرش الملكي، وتجسدت هيئة ملكية مهيبة تجلس على كرسي الحكم، ينظر إليها بعينين تفيضان بالرجاء والأسى، كأنه يطلب منها أن تكون القاضي والشاهد الأخير على هذه المأساة.

 

أغمضت عينيها الشفافتين، واستمعت إلى همسات الأرواح التي بدأت تتداخل وتتعالى في معزوفة حزينة تشبه آريا أوبرا قديمة. كان الخيار بين يديها الآن أكثر غموضًا وتعقيدًا من أي وقت مضى؛ إذا أتمت تلاوة النص الأخير من التعويذة، فإن أبواب الدهاليز ستُفتح على عالم الأحياء، وستنكشف كل الأسرار المخبأة للجميع، لكن القصر سيبدأ في الانهيار الكامل ليمتزج بالعدم. أما إذا كسرت الوثيقة وألقت بها في بحيرة الضباب، فستظل هذه الدهاليز محروسة بالأسرار إلى الأبد، وستبقى هي الحارسة الأبدية لهذه الأسطورة، تجوب الأروقة في كل ليلة بدر جديدة.

 

مدت يدها المتوهجة نحو التاج المنعكس على سطح الماء، ولمست بؤرة الضوء المركزية. وفي تلك اللحظة بالذات، انتشرت هالة بيضاء ساطعة ألمعت في كل زاوية من القصر، واختفت الصور والأشكال في غمرة من النور المطلق. عندما هدأ النور وعاد الهدوء الكامل للكاتدرائية، كانت المياه راكدة والأروقة خالية تمامًا من أي أثر، دون أن يدرك أحد إن كانت الكلمات الأخيرة قد أُطلقت وسُمِّرت الحقيقة، أم أن الدهاليز قد انغلقت على أسرارها لتستقبل زائرًا جديدًا في القمر القادم.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *