ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260927 WA0001

 

الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

إذا كان هذا الملف لا يخص تاريخ أوريال…

 

فأي تاريخ يخصه؟

 

ظلت ليارا تحدق في الجملة دون أن تتحرك.

 

كانت الشاشة أمامها سوداء إلا من ذلك السطر الأبيض.

 

لم يكن هناك اسم للملف.

 

ولا رقم.

 

ولا تاريخ إنشاء.

 

ولا الجهة التي حفظته.

 

حتى النظام نفسه لم يستطع تحديد صاحبه.

 

مدت ليارا يدها ببطء نحو لوحة التحكم.

 

قالت:

 

— «افتح الملف.»

 

لم يحدث شيء.

 

أعادت الأمر:

 

— «افتح الملف.»

 

جاءها صوت النظام:

 

— «لا أملك صلاحية الوصول.»

 

قالت ليارا:

 

— «أنا أملك أعلى صلاحية في هذا المركز.»

 

أجاب النظام:

 

— «الصلاحية غير كافية.»

 

تراجعت ليارا خطوة.

 

كان ذلك غريبًا.

 

ليس لأن النظام رفض أمرها…

 

بل لأنه لم يقل إن الوصول محظور.

 

قال إن صلاحيتها غير كافية.

 

وهذا يعني أن هناك مستوى من التحكم أعلى من المستوى الذي تعرفه.

 

فتحت قائمة الصلاحيات.

 

ظهرت أمامها جميع المستويات.

 

المستوى الأول.

 

الثاني.

 

الثالث.

 

الرابع.

 

ثم الخامس.

 

لكن بعد الخامس…

 

لم يكن هناك شيء.

 

قالت ليارا:

 

— «اعرض المستوى السادس.»

 

صمت النظام.

 

ثم أجاب:

 

— «غير موجود.»

 

ابتسمت ليارا ابتسامة قصيرة بلا فرح.

 

— «لكن النظام يقول إن صلاحياتي غير كافية.»

 

لم يجبها.

 

وهنا فهمت.

 

المشكلة لم تكن أن هناك مستوى سادسًا.

 

المشكلة أن هناك شيئًا لا يريد النظام أن يسميه.

 

أغلقت الشاشة.

 

ثم أخذت نفسًا عميقًا.

 

كانت تعرف أنها إذا استمرت في البحث بهذه الطريقة، فسوف يلتقط النظام نشاطها.

 

لكنها لم تستطع التراجع.

 

عادت إلى الشاشة وكتبت:

 

— «من أنشأ هذا الملف؟»

 

ظهر الرد:

 

«غير معروف.»

 

— «من عدّله؟»

 

«غير معروف.»

 

— «من وضع الحماية عليه؟»

 

ظهرت الجملة:

 

«لا توجد بيانات.»

 

ثم سألت السؤال الذي لم تكن متأكدة من رغبتها في معرفة إجابته:

 

— «متى تم إنشاء الملف؟»

 

توقفت الشاشة.

 

ثانية.

 

ثانيتان.

 

ثلاث.

 

ثم ظهر تاريخ.

 

حدقت ليارا فيه.

 

لم يكن التاريخ قديمًا.

 

بل كان أقدم من أن يكون له معنى.

 

كان التاريخ يعود إلى الفترة التي سبقت أول تسجيل رسمي لأوريال.

 

رفعت ليارا حاجبيها.

 

همست:

 

— «هذا مستحيل…»

 

ثم ظهر رقم آخر.

 

النسخة: 0

 

لم يكن هناك إصدار أول.

 

ولا إصدار تجريبي.

 

كان الملف يبدأ من الصفر.

 

وفي اللحظة التي مدت فيها يدها نحو الشاشة…

 

عاد النظام إلى وضعه الطبيعي.

 

اختفى كل شيء.

 

وعادت الواجهة المعتادة.

 

كأن شيئًا لم يحدث.

 

لكن ليارا كانت تعرف أن ما رأته لم يكن وهمًا.

 

حفظت الرقم الوحيد الذي استطاعت رؤيته قبل اختفاء الملف.

 

ثم خرجت من المركز.

 

—

 

في الوقت نفسه، كانت الحياة في أوريال تمضي بصورة طبيعية.

 

في أحد الممرات الهوائية، كان إيلان يسير مع كايان نحو منطقة الاحتفالات.

 

كانت المدينة تستعد لمهرجان الضوء الأزرق.

 

الأبراج بدأت تخفض إضاءتها تدريجيًا.

 

الممرات أصبحت أكثر هدوءًا.

 

والسماء حول المدينة تحولت إلى لون أزرق عميق.

 

قال كايان:

 

— «هل تعرف لماذا أحب المهرجان؟»

 

أجاب إيلان:

 

— «لأنك تحصل على طعام مجاني.»

 

ضحك كايان وقال:

 

— «هذه ميزة، وليست السبب.»

 

— «إذن ما السبب؟»

 

قال كايان:

 

— «في المهرجان، كل شيء يتوقف لمدة دقيقة.»

 

نظر إليه إيلان باستغراب.

 

— «كل شيء؟»

 

— «تقريبًا.»

 

— «المركبات؟»

 

— «تتوقف.»

 

— «المصانع؟»

 

— «تتوقف.»

 

— «شبكات النقل؟»

 

— «تتوقف.»

 

قال إيلان:

 

— «هذا خطر.»

 

أجاب كايان:

 

— «لهذا السبب لا تتوقف الأنظمة الحيوية.»

 

ثم ابتسم.

 

— «لكن الناس يتوقفون.»

 

سكت إيلان.

 

كانت تلك إحدى اللحظات القليلة التي تتوقف فيها أوريال عن الحركة.

 

دقيقة واحدة فقط.

 

كل عام.

 

كانوا يسمونها:

 

دقيقة الصمت الأزرق.

 

وفي تلك الدقيقة، يجلس الجميع معًا.

 

لا عمل.

 

لا تنقل.

 

لا شاشات.

 

لا اتصالات.

 

فقط الإنسان…

 

والسماء.

 

وصل الاثنان إلى الساحة.

 

كانت نورا هناك بالفعل.

 

وقفت أمام نافورة من الضوء، بينما كانت حولها مجموعة من الشباب.

 

لوّحت لهم.

 

قالت:

 

— «أخيرًا وصلتُم.»

 

رد إيلان:

 

— «لا تلومي الوقت، لومي كايان.»

 

قال كايان:

 

— «أنا؟»

 

ضحكت نورا.

 

— «أين سيرا؟»

 

أجاب إيلان:

 

— «قالت إنها ستأتي.»

 

نظرت نورا حولها.

 

ثم سألت:

 

— «هل تعرفون مع من جاءت؟»

 

هز كايان رأسه.

 

— «لم تقل.»

 

قال إيلان:

 

— «هل هناك شخص جديد؟»

 

ابتسمت نورا.

 

— «قلت لكم إنني دعوت شخصًا إضافيًا.»

 

اقترب كايان منها وقال:

 

— «من هو؟»

 

وقبل أن تجيب…

 

وصلت سيرا.

 

كانت تمشي ببطء.

 

وبجانبها شاب لم يعرفه إيلان.

 

كان اسمه نيراف.

 

كان مختلفًا عنهم.

 

ليس في ملابسه.

 

ولا في مظهره.

 

بل في الطريقة التي كان ينظر بها إلى المدينة.

 

كان يراقب الأبراج.

 

الممرات.

 

مجال الطاقة.

 

وكأنه يراها لأول مرة.

 

اقتربت نورا وقالت:

 

— «إيلان، هذا نيراف. سينضم إلينا الليلة.»

 

مد نيراف يده.

 

وقال:

 

— «سعيد بلقائك.»

 

صافحه إيلان وقال:

 

— «أهلًا بك.»

 

نظر نيراف إليه للحظة.

 

ثم قال:

 

— «سمعت عنك كثيرًا.»

 

رفع إيلان حاجبه.

 

— «أتمنى أن يكون الكلام جيدًا.»

 

ضحك نيراف.

 

— «لم أقرر بعد.»

 

ضحك كايان.

 

وقال:

 

— «أعتقد أنني أحب هذا الشخص.»

 

ابتسمت سيرا للمرة الأولى منذ ساعات.

 

لكن إيلان لاحظ شيئًا.

 

كانت سيرا تنظر إلى نيراف بطريقة مختلفة.

 

وكأنها تعرف عنه شيئًا لم تخبرهم به.

 

قال إيلان:

 

— «هل تعرفينه من قبل؟»

 

أجابته سيرا:

 

— «منذ فترة قصيرة.»

 

— «كم فترة؟»

 

ترددت.

 

ثم قالت:

 

— «ليست مهمة.»

 

نظر إيلان إليها.

 

لكنه لم يسأل مرة أخرى.

 

في تلك اللحظة، بدأت أضواء الساحة تنخفض.

 

تجمع آلاف الأشخاص.

 

الأطفال جلسوا بجانب عائلاتهم.

 

الأصدقاء اقتربوا من بعضهم.

 

والموسيقى اختفت.

 

ثم ظهر صوت المدينة في كل مكان:

 

«تبدأ الآن دقيقة الصمت الأزرق.»

 

انطفأت الأضواء.

 

بقيت السماء فقط.

 

بحر السحاب الأبيض أسفل أوريال.

 

والنجوم فوقها.

 

ساد الصمت.

 

كان الجميع ينظرون إلى الأعلى.

 

لكن نيراف لم ينظر إلى السماء.

 

كان ينظر إلى الأسفل.

 

إلى السحاب.

 

لاحظ إيلان ذلك.

 

قال له بصوت منخفض:

 

— «ماذا تفعل؟»

 

لم يجب نيراف.

 

أعاد إيلان السؤال:

 

— «نيراف؟»

 

رفع نيراف رأسه ببطء.

 

وقال:

 

— «هل سبق لك أن فكرت فيما يوجد تحت السحاب؟»

 

تغيرت ملامح إيلان.

 

قال:

 

— «لا شيء.»

 

أجاب نيراف:

 

— «وكيف تعرف؟»

 

ظل إيلان صامتًا.

 

ثم قال:

 

— «لأن هذا ما نعرفه.»

 

نظر نيراف إلى السحاب مرة أخرى.

 

وقال:

 

— «أحيانًا… ما نعرفه ليس بالضرورة ما هو موجود.»

 

انتهت الدقيقة.

 

اشتعلت أضواء المدينة دفعة واحدة.

 

عاد كل شيء إلى الحركة.

 

وعادت أوريال إلى طبيعتها.

 

لكن شيئًا واحدًا تغير.

 

لأن إيلان لم يعد يرى السحاب بالطريقة نفسها.

 

—

 

وفي الجانب الآخر من المدينة، عادت ليارا إلى مكتبها.

 

وضعت الرقم الذي حفظته أمامها.

 

ثم بدأت تبحث.

 

بحثت في أرشيفات الطاقة.

 

لم تجد شيئًا.

 

بحثت في سجلات البناء.

 

لا شيء.

 

بحثت في تاريخ أوريال.

 

لا شيء.

 

ثم بحثت عن الرقم وحده.

 

ظهرت نتيجة واحدة.

 

ملف صغير.

 

قديم.

 

مغلق.

 

لكن هذه المرة لم تكن الرسالة:

 

«الصلاحية غير كافية.»

 

ظهرت رسالة مختلفة:

 

«تم العثور على تطابق واحد.»

 

شعرت ليارا بقلبها يخفق.

 

ضغطت على الملف.

 

ظهرت كلمة واحدة:

 

البداية.

 

ثم تحتها…

 

رقم.

 

0

 

وفجأة ظهرت رسالة جديدة:

 

«لا تبحثي عن أصل المدينة.»

 

توقفت ليارا.

 

ثم ظهر السطر الأخير:

 

«ابحثي عن سبب وجودها هنا.»

 

وفي اللحظة نفسها…

 

سمعت ليارا صوتًا خلفها.

 

صوت رجل لم تسمع صوته من قبل.

 

قال:

 

— «كان من الأفضل لكِ ألا تفتحي هذا الملف.»

 

استدارت ليارا بسرعة.

 

لم يكن هناك أحد.

 

لكن الشاشة أمامها كانت قد تغيرت.

 

ظهر عليها شيء لم يظهر في أي سجل من قبل.

 

إشارة مجهولة… داخل أوريال.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *